الصفحة 6 من 45

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله مِن شرور أنفسنا ومِن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومَن يضلله فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله ...

يقول الله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 114]

يخبر الله عز وجلأنّه لا أحد أشدّ ظلمًا مِمّن استولى على مساجد الله عز وجل وتحكّم بها وتسلط عليها، فيسمح لمن يشاء بالعبادة ويمنع مَن يشاء ... [1]

ألا وإنّ الدعوة إلى الله عز وجل وتبليغ دينه عبادة [2] ، وقد قيّدها طواغيت هذا الزمان وكبّلوها، فلا يسمحون بها في المساجد إلا لمَنْ يُبارك دعوته بإذنهم .. ومِنْ ثَمَّ فلا يَكْفُر بباطلهم ولا يُنْكِر طغيانهم أو يُعْلِن البراءة منهم .. وإنْ فَعَل، فبحكمة المتخاذلين لئلا يجرح شعورهم .. إلا مَن رحم الله وقليل ما هم .. وحتى الصلاة، حدّدوا فتح المساجد لها بأوقات ما أنزل الله بها مِن سلطان، ومِن ثَمَّ تُغلق المساجد وتُقفل وتُخرّب .. ألا وإنّ مِن خرابها إغلاقها ومنع المرابطة والصلاة ومجالس العلم بها في جميع الأوقات .. [3]

فهذا الصنف مِن الناس ظالم لغيره ولنفسه .. فهو ظالِمٌ لغيره مِن الناس، بمنعهم مِن ذكر الله عز وجل وعبادته في بيوت الله، التي قال الله فيها: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ} [الجن: 18] ... وظالِمٌ لنفسه لأنّه يُعَرّضها لخزي الله عز وجل في الدنيا، ولعذابه العظيم في الآخرة .. كما قال تعالى: {أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ [4] لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} .

قال الشيخ عبد الرحمن الدوسري في «تفسيره» عند ذكره لمسائل مستفادة مِن هذه الآية:

« (ثالثها) كون الساعي في خراب المساجد، والمانع فيها مِن ذكر اسم الله بالمعنى الصحيح المنافي للطاغوت، هو مِن أظلم الناس بعد الشرك، لأنّ المنع مِن ذكره الذكر الصحيح الذي يشعر القلوب بعظمته وينتزع منها حبّ الطواغيت، هو انتهاك لحرمة الدين، يفضي إلى نسيان الناس مَن هو رقيب مهيمن عليهم، فيصيرون كالهمل، وتفشو فيهم المنكرات والفواحش وهضم الحقوق وسفك الدماء، لأنّ عبادة الله بطبيعتها تنهى عن ذلك، ولكنْ ما أفجر اليهود

(1) ومعلوم أنّ الشرك أعظم الظلم .. ولكنّ المقصود هنا التنفير مِن منع مساجد الله والسعي في خرابها، والتعظيم مِن هذا الذنب بصيغة الاستفهام هذه، والمقصود أنْ لا أحد أظلم بعد ظلم الشرك مِن ظلم الجاني على المساجد، ومثل هذا أيضًا قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا} [الكهف: 57] وغيره.

(2) لأنّ العبادة كما عرّفها شيخ الإسلام ابن تيمية هي: «كل ما يحبّه الله عز وجل ويرضاه مِن الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة» . وتراجع في ذلك رسالة «العبادة معناها، وصفاتها، وشروط قبولها» .

(3) خراب المساجد في الآية فسّره أهل العلم بمعنيين، حسي ومعنوي .. فالحسي: كحرقها وهدمها .. والمعنوي: الصدّ عنها وأن يمنع منها الذكر وتلاوة القرآن والصلاة والاعتكاف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. وغير ذلك مِن العبادات ..

(4) وهذا حال كثير مِن الظالمين، فإنّهم لا يدخلون المساجد حين يدخلونها للتظاهر بالتدين والصلاة .. إلا وهم خائفين غير آمنين وسط حراسهم وحماتهم .. و .. و .. وأنّا لهم الأمان وقد لطخوا أيامهم بالظلم والظلمات، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 82] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت