الصفحة 40 من 45

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد

فقد اطّلعت بعد الطبعة الأولى لهذه الرسالة على فتوى للشيخ العلّامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى، تتعلق ببدعة حجز المكان في المساجد، فأحببت أنْ أزيّن رسالتي هذه بها، فنقلتها كاملة كما جاءت في «فتاويه» (ص182) .. وذلك زيادة في البيان وإتمامًا للفائدة .. والحمد لله رب العالمين.

س- ما حكم التحجير في المسجد؟

ج- قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: «اعلموا رحمكم الله أنّ التحجر في المساجد، ووضع العصا والإنسان متأخر في بيته أو سوقه عن الحضور، لا يحل، ولا يجوز، لأنّ ذلك مخالف للشرع ومخالف لما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم حثّ الناس على التقدم للمساجد، والقرب مِن الإمام بأنفسهم، وحثّ على الصف الأول وقال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِ الأَوَّلِ -يعني مِن الأجر العظيم- ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا» [1] ولا يحصل هذا الامتثال وهذا الأجر العظيم إلا لِمَن تقدم وسبق بنفسه، وأمّا مَن وضع عصاه ونحوه، وتأخر عن الحضور، فإنّه مخالف لما حثّ عليه الشارع، غير ممتثل لأمره، فمَن زعم أنّه يدرك فضيلة التقدم وفضيلة المكان الفاضل بتحجره مكانًا فيه وهو متأخر، فهو كاذب، بل مَن فعل هذا فاته الأجر، وحصل له الإثم والوزر. ومِن مفاسد ذلك أنّه يعتقد أنّه إذا تحجر مكانًا فاضلًا في أول الصف، أو في المكان الفاضل، أنّه يحصل له فضيلة التقدم، وهذا اعتقاد فاسد، فإنّ الفضيلة لا تكون إلا للسابق بنفسه، وأمّا المتحجر للمكان الفاضل، المتأخر عن الحضور، فلا يدرك شيئًا مِن الفضيلة، فإنّ الفضل لا يحصل إلا للسابق بنفسه، لا لسبق عصاه. فلو كان في ذلك خير، لكان أولى الناس به الصحابة - - رضي الله عنهم - وقد نزههم الله عن هذا الفعل القبيح، كما نزههم عن كل قبيح، فلو علم المتحجر أنّه آثم، وأنّ صلاته في مؤخر المسجد أفضل له، وأسلم له مِن الإثم، لم يتجرأ على هذا، ولأبعد عنه غاية البعد، وكيف يكون مأجورًا بفعل محرم لا يجوز؟!

ومِن مفاسد ذلك أنّ المساجد لله، والناس فيها سواء، وليس لأحد فيها حق إلا إذا تقدم بنفسه، فإذا سبقه غيره فهو أحق منه، فإذا تحجر شيئًا لغيره فيه حق، كان آثمًا عاصيًا لله، وكان ظالمًا لصاحب الحق، وليس الحق فيها لواحد، بل جميع مَن جاء قبله له حق في مكانه، فيكون قد ظلم خلقًا كثيرًا، ولو قدرنا أنّ إنسانًا جاء والصف الأول قد تحجره المتحجرون بغير حق، فصف في الصفوف المتأخرة، كان أفضل منهم، وأعظم أجرًا، وأسلم مِن الإثم، والله يعلم مِن نيته أنّه لو وجدها خالية لصلى فيها، فهو الذي حصل فضلها، وهم حصلوا الوزر، وفاتهم الأجر.

ومِن مفاسد ذلك أنّه يدعوه إلى تخطي رقاب الناس وإيذائهم، وقد نهى الشارع عن ذلك، فيجمع بين التحجر والتأخر والتخطي، فيكون فاعلًا للنهي مِن وجوه متعددة.

ومنها أنّه إذا وضع عصاه، أوجب له الكسل والتأخر عن الحضور، لأنّه إذا عرف أنّه يجد مكانًا في مقدم المسجد ولو تأخر، برد قلبه، وكسل عن التقدم، ففاته خير كثير، وحصل له إثم كبير.

ومِن المفاسد أنّه يحدث الشحناء والعداوة والخصومة في بيوت الله التي لم تبن إلا لذكر الله وعبادته.

ومِن المفاسد أنّ صلاة المتحجر ناقصة، لأنّ المعاصي إذا لم تبطل الأعمال تنقصها، ومِن العلماء مَن يرى أنّ صلاة المتحجر بغير حق غير صحيحة، كالمصلي في مكان غصب، لا تصح صلاته، لأنّه غصبه وظلم غيره.

ومِن مفاسد ذلك، أنّ الذي يعتاد التحجر مُصِرّ على معصية الله، لأنّه فاعل لها، جازم على معاودتها، والإصرار على المعاصي ينافي الإيمان، قال تعالى: {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 134] والصغائر تكون كبائر مع الإصرار عليها. ومِن العجب أنّ أكثر مَن يفعل ذلك أناس لهم رغبة في الخير، ولعلّه زال عنهم استقباح هذا الأمر لمداومتهم عليه، واقتداء بعضهم ببعض.

(1) متفق عليه مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت