الصفحة 39 من 45

قال: «قال أصحابنا هذا الحديث في مَن جلس في موضع مِن المسجد أو غيره لصلاة مثلًا ثم فارقه ليعود بأنْ فارقه ليتوضأ أو يقضي شغلًا يسيرًا ثم يعود، لم يبطل اختصاصه بل إذا رجع فهو أحق به في تلك الصلاة، فإنْ كان قد قعد فيه غيره فله أنْ يقيمه وعلى القاعد أنْ يفارقه لهذا الحديث الصحيح ... » ثم قال: «قال أصحابنا: وإنّما يكون أحق به في تلك الصلاة وحدها دون غيرها. والله أعلم» اهـ. (باب: إذا قام مِن مجلسه ثم عاد فهو أحق به) (14/ 161) .

ويجب على صاحب المجلس أنْ يكون في طلبه لمجلسه لينًا رفيقًا، وإذا علم أنّ في طلبه مِن الجالس مكانه القيام، مفسدة أو ترتب منكر ما فالأولى ترك ذلك لأنّ درء المفاسد أولى مِن جلب المصالح. والله تعالى أعلم.

? واعلم رحمك الله أنّ حديث مسلم المذكور وغيره ليس فيه دلالة على جواز الحجز المذكور سواء لفترة قصيرة أو طويلة بل غاية ما في الحديث هو تبيان أحقية صاحب المجلس بمجلسه إذا قام منه لفترة يسيرة ثم رجع. وليس فيه ذكر للحجز .. فالاحتجاج به على ذلك باطل كما هو واضح ...

-أما عن جواز حجز الرجل لمكانه بسجادة أو كتاب أو غيره لهذه الفترة القصيرة فقط: فقد قال بعض المتأخرين بجوازه وفرّقوا بينه وبين الحجز لفترة طويلة، فهذا لا يحدث فيه مِن الظلم والمنكرات التي تحدث في الحجز لفترة طويلة مِن اغتصاب لبقعة مِن المسجد ومنع المسلمين المبكرين منها وكذلك تخطي رقاب الناس، فذلك كله لا يحدث في هذه، وإنّما هي لحظات قليلة يقوم فيها المصلي للشرب أو تناول مصحف أو كتاب أو غيره والفرق بين ذلك والأول واضح جليّ. ولكن يبقى ما هو أهم مِن ذلك كله .. وهو أنّ الحجز لا دليل عليه مِن كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم. وقد علمت أنّ ذلك لازم في العبادات خاصة، ورأيت كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك، فلا فرق إذًا في الحجز لفترة يسيرة أو طويلة ما دامت محدثة بدعة لم يرد نص بجوازها.

? واعلم رحمنا الله تعالى وإياك بعد ذلك كلّه أنّ الله لم يتعبّدنا بفعل أو بقول أحد مِن الناس غير نبيه صلى الله عليه وسلم. وأمرنا سبحانه وتعالى فيما أمرنا ليتقبل أعمالنا الصالحة أنْ لا تكون إلا كما شَرَع، ولا شكّ أنْ حجز المكان في المسجد عبادة -لأنّه حرص على الثواب بإدراك الصف الأول- ونحن مأمورون بأنْ لا نعبد الله إلا بما شرع. وهذه عبادة ليست في كتابه عز وجل ولا في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم. فهي بدعة وكل بدعة ضلالة.

وفي ذلك كفاية لطالب الحق ليترك العمل بهذه البدعة وليعلم بعد ذلك أنّ عدم حجزه للمكان في المسجد ولو لفترة قصيرة جدًا هو الواجب عليه ما دام قد عرف أنّ ذلك بدعة منكرة، ولأنّ درء المفاسد أولى مِن جلب المصالح، فَلَأَنْ يضيع عليه الصف الأول مرة أو مرتين خير وأهون عليه بكثير مِن أن يُحْدِث في دين الله بدعة قد يبقى وزرها عليه وعلى مقلّديه إلى يوم القيامة. أسأل الله تعالى أنْ يُبصّرنا في ديننا وأن يُلهمنا رشدنا. وهو سبحانه وتعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم.

والحمد لله رب العالمين

المدينة المنورة

ليلة الأربعاء 13/جمادي الثاني/ لعام 1402

من هجرة المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت