ففي عموم هذه الأحاديث دلالة على أنّ المصلي الذي يقوم مِن مجلسه لحاجة يسيرة كشرب أو وضوء أو غيرهما ثم يرجع إليه فإنّه أحق بالمجلس مِن غيره. وله أنْ يقيم مَن جلس فيه ليجلس هو فيه، بل إنّ النووي وغيره قد قالوا بأنّ الجالس الثاني يجب عليه مفارقة المجلس إذا رجع صاحبه إليه وجوبًا. وقال بعضهم -ومنهم الإمام مالك- يستحب ولا يجب، وهو مذهب الجمهور كما ذكره صاحب «تحف الأحوذي» عند كلامه على حديث الترمذي المذكور نقلًا عن القاضي عياض والقرطبي. وقال المناوي في «الفيض» : ( «الرَّجُلُ أَحَقُّ بِمَجْلِسِهِ ... » الذي اعتاد الجلوس فيه لنحو صلاة أو إقراء أو إفتاء، ولو جلس في المسجد لصلاة وقام بلا عذر بطل حقّه، أو لعذر قضاء حاجة وتجديد وضوء وإجابة داعٍ فهذا حق حتى يقضي صلاته أو مجلسه) اهـ.
وحكى صاحب «التحفة» أيضًا نحوه، وكذا الشوكاني في «نيل الأوطار» [1] ، ويجب أنْ يُعلم أنّ هذا كله إذا كانت الحاجة يسيرة لا أنْ يذهب مِن صلاة العصر مثلًا ثم يرجع بعد ذلك في صلاة المغرب ويزعم أنّ المجلس مجلسه [2] وهذا ما قرّره النووي رحمه الله تعالى في شرحه على حديث مسلم المذكور
(1) (باب الرجل أحق بمجلسه ... ) (3/ 306) .
(2) اللهم إلا إذا كان المجلس معروفًا بخصوصيته لشخص بعينه، فإنْ كان كذلك فهو أحق به ولو طالت مفارقته له وذلك قسمان:
1 -مجلس عبادة:
? كموضع صلاة الإمام في الجماعة فهو مكانه ومجلسه الذي يفتي منه. فإنْ غاب عنه مدة يسيرة أو طويلة أو رجع مِن يومه التالي فهو أحق به لأنّه مجلسه الذي لا يزال يُنسب إليه والحديث يقول «إِذَا قَامَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ» .
? وكموضع نومه وجلوسه في الاعتكاف خاصة، فقد جاء الدليل بجواز اتخاذ مكان بعينه في المسجد مِن أجل ذلك، فذلك أيضًا مكانه وهو أحق به إنْ غاب عنه لحاجة طالت أم قصرت.
أمّا مجلس الرجل في المسجد للصلاة فقط فليس بمجلس دائم له بل هو مجلسه في تلك الصلاة فقط -أي في وقت جلوسه فيه- فلو غاب عنه فترة طويلة لم يعد مجلسه.
ولو كان الأمر خلاف ذلك لاتخذ كل إنسان مكانًا في الصف الأول واعتبره مجلسًا دائمًا له لا يتركه أبدًا. وبذلك يبقى الصف الأول حجرًا على هؤلاء لا يمكن لغيرهم الوصول إليه، ومعلوم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن لزوم مكان بعينه في المسجد للعبادة اللهم إلا في الاعتكاف كما خصصه الشوكاني، فعن عبد الرحمن بن شبل مرفوعًا، أنّ النبي صلى الله عليه وسلم: «نَهَى عَنْ نَقْرَةِ الغُرَابِ، وَافْتِرَاشِ السَّبُعِ، وَأَنْ يُوَطِّنَ الرَّجُلُ المَكَانَ فِي المَسْجِدِ كَمَا يُوَطِّنُ البَعِيرُ» أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما، وصحّحه الألباني في «المشكاة» . قال المناوي في «الفيض» : ( «وَأَنْ يُوَطِّنَ الرَّجُلُ المَكَانَ فِي المَسْجِدِ كَمَا يُوَطِّنُ البَعِيرُ» أي: يألف محلًا فيه، يلازم الصلاة فيه، لا يصلي في غيره، كالبعير لا يَلْوِي عن عَطَنه إلا لمبرك قد اتخذه مناخًا لا يبرك إلا فيه) اهـ.
2 -مجلس لأمور الدنيا: فإن اتخذ في المسجد مكانًا بعينه لأمور الدنيا المشروع منها في المسجد لا للعبادة فذلك جائز ولا يعتبر بدعة ما دام كذلك:
? كأن يُجعل للمريض مكانًا معينًا في المسجد يخص فيه كما في قصة سعد بن معاذ في البخاري.
? أو مجلس الرجل ومكان نومه في المسجد لحاجة دنيوية كأنْ يكون فقيرًا أو مسافرًا جلس في المسجد يوماُ أو أكثر كل ذلك جائز، الأصل فيه الإباحة إلا بدليل يمنع ما لم يدخل في أمور العبادات، فإنّ دخل في ذلك، مُنِع إلا بدليل يسمح.
? قال ابن رجب الحنبلي في «قواعده» (ص193) « (ومنها) الجلوس في المساجد ونحوها لعبادة أو مباح فيكون الجالس أحق بمجلسه إلى أنْ يقوم عنه باختياره قاطعًا للجلوس، أما إنْ قام لحاجة عارضة ونيته العود فهو أحق بمجلسه» اهـ.
? وكذلك في غير المسجد، فإنْ كان المجلس يُعرف بخصوصيته لشخص بعينه: كمكتب يدير عليه عمله مثلًا.
أو مقاعد الطلاب في فصولهم إنْ كانت العادة أنْ يكونَ لكل واحد منهم مكانٌ ثابتٌ بعينه. فذلك حق لصاحبه وإنْ غاب عنه فترة طويلة.
-وأمّا إن كان جلوسه فيه لفترة محدودة فإنّه يكون مجلسه في تلك الفترة فقط. كمجلسه في بيت مضيفه مثلًا. أو مجلسه في (الحافلة) أو أي شيء على شاكلة ذلك .. فإنْ قام منه لحاجة يسيرة ثم رجع فهو أحق به، أمّا إنْ غاب عنه فترة طويلة. فلم يعد مجلسه. والله تعالى أعلم.