فهذا قول شيخ الإسلام في هذه المسألة واضح جليٌّ شافٍ كافٍ لردّ هذه البدعة التي يزيد انتشارها كل يوم حتى أنّ البعض لا يكتفون بحجز أماكنهم بل ربّما حجزوا لأصدقائهم ومشايخهم المتأخرين أيضًا والذين قد سبقهم مِن المسلمين مَن هو أحرص منهم على الصفّ الأول لتبكيرهم ولم يتمكنوا منه بسبب هذه البدعة المنكرة.
وقد يحتج البعض على أنّ هذا الفعل ليس ببدعة وذلك بأنّ النبي كان صلى الله عليه وسلم يُجعل له مكانٌ معينٌ في المسجد في الاعتكاف وقد حدث أنْ فعلت ذلك أزواجه أيضًا حين جُعِل لهن أربع قباب -كما في البخاري [1] وغيره- ولكنْ لا يخفى بطلان الاحتجاج بذلك على إثبات هذه البدعة مِن وجهين:
أولًا: أنَّ ذلك فعل لم يثبت عمله في غير الاعتكاف فلا يجوز إطلاقه والاحتجاج به على غيره قياسًا خاصة وأنّ القياس ممنوع في العبادات [2] كما هو ممنوع في العقيدة.
ثانيًا: أنّه حتى لو صحّ قياسه على هذا الفعل فإنّ السلف رضوان الله عليهم كانوا أحرص منّا على الطاعات ولم يحتجّوا باتخاذه صلى الله عليه وسلم مكانًا معينًا للاعتكاف على جواز حجز المكان في المسجد سواء في الصف الأول أو غيره ولو فعلوه لنقل لنا ذلك. وهيهات هيهات .. وبمثل ذلك أيضًا يُرَدّ على مَن احتج بجواز حجز المكان بالمسجد لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم ضرب على سعد بن معاذ خيمة في المسجد ليعوده فيها [3] .
وقد كانت هذه البدعة منتشرة قبل عهد ابن تيمية رحمه الله، فقد تعرض لها النووي رحمه الله حين قال في سياق تقريره أنّ لصاحب المجلس الحق بمجلسه الذي قام منه إذا رجع. وإنْ لم يحتجز المكان: «قال أصحابنا ولا فرق بين أن يقوم منه ويترك سجادة ونحوها أم لا فهذا أحق به -يعني المكان- في الحالتين» اهـ [4] . فكأنّما كان الناس في ذلك الزمان لا يرون أنّ للرجل الحق بالعودة إلى مجلسه الذي قام منه لحاجة يسيرة إلا إذا حجزه بسجادة أو نحوها ... فبيّن رحمه الله تعالى أنّ المجلس مِن حقه وإنْ لم يحجزه بسجادة أو غيرها -ما دام انطبق عليه ما سنذكره مِن أقوال العلماء في أحاديث أحقية الرجل بمجلسه إنْ قام منه ثم رجع- ولا يعني كلامه هذا رحمه الله تقرير جواز حجز المكان في المسجد بالسجادة كما قد يتوهم البعض، وذلك بَيِّنٌ واضح للمتأمل.
? مسألة:
قد يحصل أنْ يكون المصلي مِمّن يحرصون على الصف الأول ولا يكون مِن أهل هذه البدعة ثم يقوم مِن مكانه ليشرب الماء مثلًا أو ليتوضأ فيرجع ليجد أنّ غيره قد جلس في مكانه خاصة في الحرمين ولحرص الناس على الصف الأول، فهل يجوز له في هذه الحالة أنْ يحجز مكانه بسجادة أو أي شيء آخر لهذه الفترة الوجيزة .. ؟
-فنقول: بأنّه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في «صحيح مسلم» أنّه قال: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» وكذلك ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «الرَّجُلُ أَحَقُّ بِمَجْلِسِهِ، وَإِنْ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ عَادَ فَهُوَ أَحَقُّ بِمَجْلِسِهِ» [5] وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «الرَّجُلُ أَحَقُّ بِصَدْرِ دَابَّتِهِ، وَأَحَقُّ بِمَجْلِسِهِ إِذَا رَجَعَ» [6] .
(1) (4/ 277 مِن «الفتح» ، باب: الأخبية في المسجد) ونقل ذلك الشوكاني في «النيل» (كتاب الاعتكاف/4) وذكر خصوصيته بالاعتكاف.
(2) المقصود بالعبادات هنا التكاليف والشعائر التعبدية، كالصلاة، والطواف والاعتكاف وغير ذلك، فكلّه توقيفي لا يصحّ إلا كما علمناه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(3) رواه البخاري، في كتاب الصلاة، باب: الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم (1/ 556 من «الفتح» ) .
(4) «شرح مسلم» (14 - 161) وسيأتي بقية كلامه (ص80) و (ص81) ، وحديث مسلم الذي عليه كلام النووي هذا هو المذكور في الصحيفة التالية ....
(5) أخرجه الترمذي وقال: «هذا حديث صحيح غريب» ، وصحّحه الألباني في «صحيح الجامع» (3538/ 3) .
(6) رواه الإمام أحمد في «مسنده» ، وحسّنه الألباني في «صحيح الجامع» (3537/ 3) .