الصفحة 36 من 45

«وأمّا ما يفعله كثير مِن الناس مِن تقديم مفارش إلى المسجد يوم الجمعة أو غيرها. قبل ذهابهم إلى المسجد. فهذا منهيٌّ عنه باتفاق المسلمين بل هو محرم. وهل تصحّ صلاته على ذلك المفروش؟ فيه قولان للعلماء، لأنّه غَصَب بقعة في المسجد بفرش ذلك المفروش فيها. ومنع غيره مِن المصلين الذين يسبقونه إلى المسجد أنْ يصلي في ذلك المكان، ومَن صلى في بقعة مِن المسجد مع منع غيره أنْ يصلي فيها: فهل هو كالصلاة في الأرض المغصوبة؟ على وجهين. وفي الصلاة في الأرض المغصوبة قولان للعلماء وهذا مُسْتَنَد مَن كره الصلاة في المقاصير التي يمنع الصلاة فيها لعموم الناس [1] ، والمشروع في المسجد أنّ الناس يتمّون الصف الأول، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ المَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟» قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يُتِمُّونَ الصَّفَّ الأَوَّلَ، فَالأَوَّلَ، وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصُّفُوفِ» [2] . وفي «الصحيحين» عنه أنّه - صلى الله عليه وسلم قال-: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِ الأَوَّلِ ثُمْ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا ... الحديث» . والمأمور به أنْ يسبق الرجل بنفسه إلى المسجد فإذا قدم المفروش وتأخّر هو فقد خالف الشريعة مِن وجهين: مِن جهه تأخره فهو مأمور بالتقدم.

ومِن جهة غصبه لطائفة مِن المسجد، ومنعه السابقين إلى المسجد أنْ يُصلّوا فيه، وأنْ يتمّوا الصف الأول فالأول.

ثم إنّه يتخطى الناس إذا حضروا وفي الحديث: «الَّذِي يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَتَّخِذُ جِسْرًا إِلَى جَهَنَّمَ» [3] وقال النبي ل صلى الله عليه وسلم رجل: «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ» [4] .

? ثم إذا فرش هذا. فهل لِمَن سبقه إلى المسجد أنْ يرفع ذلك ويصلي موضعه؟ فيه قولان:

أحدهما: ليس له ذلك لأنّه تصرف في ملك الغير بغير إذنه.

والثاني: وهو الصحيح، أنّ لغيره رفعه والصلاة مكانه، لأنّ هذا السابق يستحق الصلاة في ذلك الصف المقدم وهو مأمور بذلك أيضًا وهو لا يتمكن مِن فعل هذا المأمور واستيفاء هذا الحق إلا برفع ذلك المفروش. وما لا يتم المأمور إلا به فهو مأمورٌ به. وأيضًا فذلك المفروش وضعه هناك على وجه الغصب وذلك منكر وقد قال النبي: صلى الله عليه وسلم «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» [5] .

لكنْ ينبغي أنْ يُراعى في ذلك أنْ لا يؤول إلى منكر أعظم منه والله تعالى أعلم والحمد لله وحده» اهـ. (22/ 189) الفقه- «مجموع الفتاوى» .

(1) وهي الأماكن التي تخصص للملوك والأمراء وتُخلى لهم ... ولقد تعدّى الأمر في زماننا تلك المقاصير، حيث تُخلى الصفوف الأولى كلها مِن المصلين ظلمًا وعدوانًا وبغير حق ويضيّق على عباد الله لأجلّ أولئك الأمراء أو الملوك وحراسهم ... فالله المستعان ...

(2) رواه الإمام أحمد في «مسنده» ومسلم في «صحيحه» وغيرهما.

(3) الحديث أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (3/ 437) والترمذي (3/ 42) مِن «تحفة الأحوذي» (طبعة الكتبي) وقال: «حديث غريب» -وذكر أقوالًا في تضعيفه. وأخرجه كذلك ابن ماجة (1116/ 1) الجمعة (ص354) . والحديث ضعّفه الألباني في «المشكاة» تحت رقم (1392) ، وانظر أيضًا «ضعيف الجامع» له. ولكنْ قد ثبت النهي عن تخطي الرقاب كما في الحديث التالي.

(4) الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما، وصحّحه الألباني في «صحيح الجامع» (153/ 1) ولفظه «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ وَآنَيْتَ?» قاله للذي تخطّى يوم الجمعة.

? آنيت: أي أخّرت المجيء وأبطأت، «النهاية» . ولا يصحّ حصر الحديث بيوم الجمعة وحدها وذلك لأنّ علة إيذاء الناس بتخطي رقابهم تحصل سواء في يوم الجمعة أو غيرها، وأصحاب هذه البدعة يدخلون تحت ذلك لأنّهم بتأخرهم يضطرون لتخطي رقاب الناس الذين سبقوهم وذلك ليصلوا إلى أماكنهم المحجوزة غصبًا في الصف الأول.

(5) رواه مسلم وغيره عن أبي سعيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت