الصفحة 29 من 45

كلامه رحمه الله تعالى [1] . وواضح أنّه قد جانب الصواب في ذلك، لأنّ الأحاديث الصحيحة المسندة لا يجوز معارضتها بالأخبار الضعيفة الواهية .. لأنّ الثانية لا تقوم بها حجة، ولا تُثبت أو تقرّر أحكامًا .. حتى يُعارض بها ما صحّ وثبت ..

وما دام الحال كذلك فلا داعي للجمع والتوفيق بينهما، لأنّ ذلك لا يكون إلا عند تعارض الأخبار الصحيحة .. والأخبار الصحيحة في هذه المسألة متوافقة .. ولله الحمد .. لا تعارض بينها، كما تقدم ..

الرابع:

الشيخ محمد جمال الدين القاسمي رحمه الله تعالى في كتابه «إصلاح المساجد من البدع والعوائد» (ص 184) حيث قال: « (دخول الصبيان للمساجد) تقدم في الحديث: «وَجَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ» وذلك لأنّ الصبي دأبه اللعب، فبلعبه يشوش على المصلين وربما اتّخذه ملعبًا فيُنَافِي ذلك موضع المسجد فلذا يُجنب عنه» اهـ.

والشيخ رحمه الله تعالى هنا، قد بنى كلامه على حديث لا يصح .. كما تبين لك، فيقال له: أثبت العرش ثم انقش ..

وقد ردّ عليه الشيخ الألباني حفظه الله تعالى في كتابه «الأجوبة النافعة» حيث قال: «فهذا الحديث ضعيف لا يحتج به، وقد ضعّفه جماعة مِن الأئمة مثل عبد الحق الإشبيلي، وابن الجوزي، والمنذري، والبوصيري، والهيثمي، والعسقلاني وغيرهم.

ومع ذلك خَفِي حالُه على الشيخ القاسمي، وبنى عليه حكمًا شرعيًا، وهو تجنيب الصبيان عن المسجد تعظيمًا للمسجد. والواقع أنّه بدعة لأنّه خلاف ما كان عليه الأمر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كما هو مشروح في محلّه مِن كتب السنة» اهـ.

-أما احتجاج الشيخ القاسمي رحمه الله بقوله: «وربما اتخذه ملعبًا، فينافي ذلك موضع المسجد» فمردود عليه، لأنّه لم يستند إلى دليل، بل الأدلة تخالف ذلك، كما تقدم في لعب الحسن والحسين، وكذا إعطاء الصحابة لعب العهن لأولادهم في المسجد، إضافة إلى لعب الحبشة .. فلو كان اللعب ينافي موضع المسجد لَمَا أذن به النبي صلى الله عليه وسلم، فهو أورعنا وأتقانا وأخوفنا لله عز وجل.

وهذا غاية ما وجدته مِن كلام المخالفين ... [2] .

? ولتمام هذا الفصل، نُلحق بأقوالهم كلامًا لشيخ الإسلام ابن تيمية. قد يُتَوهّم منه أنّه رحمه الله تعالى يخالف ما ذهبنا إليه مِن جواز إدخال الصبيان للمساجد ...

قال رحمه الله تعالى في «مجموع الفتاوي» : «يُصان المسجد عمّا يؤذيه، ويؤذي المصلين فيه، حتى رفع الصبيان أصواتهم فيه ... وكذلك توسيخهم لحصره .. ونحو ذلك .. لا سيما إنْ كان وقت الصلاة فإنّ ذلك مِن عظيم المنكرات» [3] . اهـ (22/ 204/ الفقه) ..

(1) (2/ 138) مِن طبعة الحلبي.

(2) ثم وجدت بعد كلامًا لابن كثير رحمه الله تعالى في «تفسيره» ، عند قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} ... [النور، الآية: 36] ، قال بعد أنْ ذكر حديث «جَنِّبُوا المَسَاجِدَ صِبْيَانَكُمْ .. » : «وذلك لأنّهم يلعبون فيه ولا يناسبهم» مع أنّه عزا الحديث لابن ماجة وحكم على إسناده بالضعف ... وقد فصلنا الكلام في شبهة التشويش ولعب الصبيان، ويكفينا هنا تضعيف الحافظ رحمه الله تعالى نفسه للحديث ..

كما ذكر في نفس الموضع أثرًا عن عمر رضي الله تعالى عنه أنّه كان إذا رأى صبيانًا يلعبون في المسجد ضربهم بالدرة ... ولم يعزه أو يسنده، فيقال للمحتج بذلك أثبت العرش ثم انقش، هذا إنْ صحّ أنْ تنقش، لأنّه أثر موقوف ولا يعارض المرفوع بمثله .. ومع ذلك فلا مانع في حالة ثبوته مِن حمله على التأديب والتعليم لا على الطرد والمنع .. لأنّه رضي الله تعالى عنه كان أحرص وأحرص منّا على هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

(3) وقد كانت صيغة السؤال: «وسُئل: عمن يعلّم الصبيان في المسجد: هل يجوز له البيات في المسجد، فأجاب: الحمد لله، يصان .... » .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت