الصفحة 28 من 45

المخالفون

قدّمنا في البداية، عند بَسْطنا للأدلة جملةً مِن أقوال أهل العلم في جواز إدخال الصبيان للمساجد .. وعدّدنا الكثير مِن العلماء الأعلام الذين قالوا بذلك .. وكالعادة ولمّا كانت الشريعة تحث على الاجتهاد، حتى كان للمجتهد المصيب أجران، وللمخطئ أجرٌ واحدٌ .. فلا بدّ مِن اختلاف آراء العلماء، خاصة عند عدم استكمال الأدلة والنصوص، ولذلك كان العالم يُعذر إذا أخطأ ويُؤجر لاجتهاده .. ولا يُعاب أو يُشنّع عليه إذا أخطأ في المسألة، خاصّة إذا كان مِمّن عُرف ببذل الجهد في تحرّي الحق والبحث عن الدليل ... أمّا الذي يُعاب عليه الخطأ، ويشان به فهو المقلّد، الذي يتشبث بأقوال الرجال ويقدّمها على الآية والحديث ... ويتعصّب لها، ويصرّ عليها إصرارًا أعمى ... ولا فرق عنده في ذلك بين الخطأ والصواب ما دام ذلك مذهب العالم الفلاني أو قول الإمام الفلاني .. فذلك هو الجهول .. فالله عز وجل قد وهبنا العقول، لنميّز بين الخطأ والصواب، وعاب على الذي يمشي مكبًّا على وجهه ولا يبصر الحق .. ويتخبط في ظلمات الجهل والضلال .. فقال: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الملك: 22] .

لذلك فإنّ هذا الصنف مِن المخالفين لا نلتفت له ولا نذكره ههنا .. أمّا المخالفون مِن أهل العلم في هذه المسألة فلم أجد منهم في حدود المراجع التي تحت يدي إلا أربعة، وليس مقصودي هنا حصر المخالفين ولكنّ المقصود بيان أنّ أدلتهم لا تخرج عمّا قدمناه ورددناه عليه:

الأول:

المتولي ... قال النووي في «المجموع» : «قال: المتولي وغيره: يكره إدخال البهائم والمجانين والصبيان الذين لا يميّزون المسجد لأنّه لا يؤمن تلويثهم إيّاه ولا يحرم ذلك لأنّه ثبت في «الصحيحين» أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى حاملًا أمامة بنت زينب رضي الله عنهما وطاف على بعيره، ولا ينفي هذا الكراهة لأنّه صلى الله عليه وسلم فعله لبيان الجواز، فيكون حينئذ أفضل في حقّه، فإنّ البيان واجب» أهـ (2/ 192) «المجموع شرح المهذب» .

الثاني:

العلامة المناوي صاحب «فيض القدير شرح الجامع الصغير» .. حيث قال في كتابه (3/ 351) عند كلامه على حديث «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ ... الحديث» .

قال: «فيُكْرَه إدخالهما تنزهًا إنْ أمِن تنجيسهم للمسجد، وتحريمًا إنْ لم يؤمَنْ ... » اهـ.

ولم يذكر رحمه الله دليلًا غير هذا الحديث ... وقد علمتَ حال الحديث فيما تقدم .. والعجيب أنّ المناوي رحمه الله بعد ما قال هذا الكلام، ذهب بعد ذلك وأخذ يبين ضعف الحديث. وأقوال أهل العلم في تضعيفه فقال: « (هـ) مِن رواية الحرث بن نبهان عن عتبة عن أبي سعيد عن مكحول ... » ثم قال: «قال الزين العراقي في شرح الترمذي: والحرث بن نبهان ضعيف، وقال ابن حجر في المختصر: حديث ضعيف، وأورده ابن الجوزي في الواهيات وقال: لا يصح، وقال ابن حجر في تخريج الهداية: له طرق وأسانيد كلّها واهية، وقال عبد الحق: لا أصل له» اهـ.

ولا يُستغرب هذا الفعل مِن المناوي رحمه الله تعالى، فهو قد درج عليه في مواضع كثيرة مِن كتابه .. حيث يشرح الحديث شرحًا تامًّا ويبين الأحكام التي تنبني عليه، وربّما احتج به في مسائل يميل إليها ويؤيدها، وفي الخاتمة يبيّن حال الحديث مِن صحة أو ضعف .. وما دام قد تبين لك ضعف الحديث .. فلا حجة لِمَن احتج به.

الثالث:

العلامة الشوكاني في كتابه «نيل الأوطار» .. فهو رحمه الله تعالى بعد أنْ قال -كما قدّمنا- عند حديث أمامة بجواز إدخال الصبيان للمساجد .. جاء في نفس الباب، وعند حديث عن الحسن والحسين وذكر فيه جواز ذلك أيضًا .. إلا أنّه عقّب بذكر روايتين لحديث: «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ ... » إحداهما لابن ماجة والأخرى للطبراني .. وبيّن ضعف كل منهما، ثم قال: «وقد عارض هذين الحديثين الضعيفين، حديث أمامة المتقدم وهو متفق عليه وحديث الباب وحديث أنس أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنِّي لَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ، فَأُخَفِّفُ مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَتَنَ أُمُّهُ» وهو متفق عليه، فيُجمع بين الأحاديث بحمل الأمر بالتجنيب على الندب كما قال العراقي في «شرح الترمذي» ، أو بأنّها تنزه المساجد عمّن لا يؤمن حدثه فيها» اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت