الدواب مِن العقل ما تمتنع به مِن تلويث المسجد المأمور بتطهيره للطائفين والعاكفين والركّع السجود ... مع أنّ الضرورة ما دعت إلى ذلك، وإنّما الحاجة دعت إليه» [1]
وكذا أصحابه صلى الله عليه وسلم، وهم خير القرون، كانوا أشدّ الناس حرصًا على تنظيف المساجد وتطهيرها ويظهر لك ذلك جليًّا، مِن قصة الأعرابي الذي بال في المسجد كما جاء في البخاري: «أنّ أعرابيًا قام فبال في المسجد فتناوله الناس، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ -أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ- فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» .
قال ابن حجر في «الفتح» : «في هذا الحديث مِن الفوائد أنّ الاحتراز مِن النجاسة كان مقررًا في نفوس الصحابة ولهذا بادروا إلى الإنكار بحضرته صلى الله عليه وسلم قبل استئذانه» [2] اهـ (1/ 324) .
ففي هذا وغيره وفي ما تقدم أيضًا مِن حديث المرأة الأنصارية التي حكّت النُّخامة مِن قبلة المسجد وجعلتْ مكانه خَلُوقًا .. دلالة على شدّة حرصهم على نظافة المساجد وتطهيرها، وبرغم حرصهم هذا، ومع سماعهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتطهيرها، لم يفهم الصحابة رضوان الله عليهم أنّ مِن نظافة المساجد إبعاد الصبيان عنها .. بل كانوا يحضرونهم معهم كما قدمنا .. وأسوتهم في ذلك هو النبي صلى الله عليه وسلم .. كما أنّهم لم يفهموا مِن تنظيفها وتطهيرها، زخرفتها أو نقشها والتكلّف في فرشها وبنائها، كما هو حاصل في هذه الأيام .. فشتّان بين فهم السلف وأفهام أهل زماننا .. مِن الخَلَف.
ومصيبة أهل زماننا أنّهم يهتمون ويجتهدون في الشكليات التي ليست مِن الدين أكثر مِن اهتمامهم في أصول الدين ومهماته .. فهم يخافون على المسجد وبُسُطه وفرشه مِن الأوساخ والنجاسات، ولا يخافون على عقول وقلوب أبنائهم مِن النجاسات والانحرافات والضلالات بمنعهم وإبعادهم عن المساجد .. مع أنّ هذه الفرش ليست ذات قيمة في الدين، فمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم كانت أرضه حصى وتراب .. بل قد اعتبرها بعض السلف مِن البدع كما نقل ابن تيمية في «الفتاوى الكبرى» (1/ 111) عن مالك بن أنس قال: أنّه لمّا قَدِم بعض العلماء، وفرش في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا مِن ذلك أمر بحبسه وقال: أَمَا علمت أنّ هذا في مسجدنا بدعة؟؟ اهـ.
ثالثًا:
واحتج المخالفون بحديث «جَنِّبُوا مَسَاجِدَنَا صِبْيَانَكُمْ ... » .
وهو حديث لا يصلح الاحتجاج به لأنّه ضعيف وتمامه: «جَنِّبُوا مَسَاجِدَنَا صِبْيَانَكُمْ، وَمَجَانِينَكُمْ، وَشِرَاءَكُمْ، وَبَيْعَكُمْ، وَخُصُومَاتِكُمْ، وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ، وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ، وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ، وَاتَّخِذُوا عَلَى أَبْوَابِهَا المَطَاهِرَ، وَجَمِّرُوهَا فِي الجُمَعْ» .
(1) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية رحمه الله تعالى (21/ 573) .
(2) وفيه فائدة جليلة عظيمة، وهي ما كان عليه أولئك القوم رضوان الله عليهم أجمعين مِن الحرص والتسابق والتنافس على إنكار المنكر دون توان أو تأجيل، وبدون أنْ ينتظروا إذنًا مِن أحد .. حتى ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف يستأذنونه فيما يحثّهم ويأمرهم به ويُرَبيهم عليه ويحذّرهم مِن تركه ليل نهار؟؟ فشتّان بين مَن جعل دعوة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سُلّمًا يرقى به إلى عليين، ومَن أهانها واتخذها وظيفة عند الطواغيت ... شتّان شتّان.