و «رأى صلى الله عليه وسلم نخامة في قبلة المسجد فاحمر وجهه، فجاءته امرأة مِن الأنصار، فحكّتها فجعلت مكانها خَلُوقًًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا أَحْسَنَ هَذَا» [1] .
ومع ذلك لم يكن صلى الله عليه وسلم يمنع الصبيان مِن المساجد، ولا حتى يشير إلى منعهم حفاظًا على طهارة ونظافة المساجد .. بل قد رأيتَ فيما تقدّم أنّه صلى الله عليه وسلم كان يتعمّد إحضار الصغار للمسجد ليُعلّم أمته جواز ذلك ومشروعيته ..
وفي حديث أمامة ما يكفي لردّ هذه الشبهة. فإنّها -أي أمامة- كانت في ذلك الوقت صبية، وقد قدّمنا مِن كلام أهل العلم أنّ «الصبية في الغالب: مَن لم تفطم بعد» . ومعلوم لدى الجميع أنّ الأطفال في هذه السنّ لا يميزون، وقد يبولون في المسجد وغيره .. ومع ذلك صلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو إمام في فريضة حاملًا أمامة ليشرع لأمته ذلك .. وليس في ذلك أية غرابة كما قال النووي رحمه الله تعالى عند حديث أمامة: «ليس فيه ما يخالف قواعد الشرع، لأنّ الآدمي طاهر، وما في جوفه مِن النجاسة معفوّ عنه لكونه في معدته، وثياب الأطفال وأجسامهم محمولة على الطهارة حتى تتبين النجاسة، ودلائل الشرع متظاهرة على هذا» . اهـ. ونقله عنه ابن حجر في «الفتح» (1/ 592) وكذلك أبو الطيب في «عون المعبود» (3/ 186) ... وقال النووي أيضًا في «شرح مسلم» : «الحديث يدل على جواز حمل الصبي والصبية وغيرها مِن الحيوان الطاهر في صلاة الفرض وصلاة النفل، ويجوز ذلك للإمام والمأموم والمنفرد وهذا مذهب الشافعي» اهـ.
وقال الخطّابي في «معالم السنن» (1/ 431) : «وفيه -أي حديث أمامة- دليل على أنّ ثياب الأطفال وأبدانهم على الطهارة ما لم يُعلم بها نجاسة» .
فالأصل في ثياب الأطفال الطهارة ما لم تعلم النجاسة، فلا يجوز منعهم مِن المساجد لمجرد احتمال تنجيسهم لها. لأنّ هذا الاحتمال كان موجودًا في أمامة ولم يمتنع النبي صلى الله عليه وسلم لأجله عن حملها في صلاة الفريضة وبالمسجد ...
«فإنْ قيل: لعلّ جبريل أعلمه بأنّ الطهارة حاصلة فيها، فالجواب أنّ الأحكام لا تتعلق بالبواطن، فإنّ ذلك مِن اعتراضات الجهّال والمبتدعة الذين يريدون إبطال الشريعة بظواهر الأفعال والأحوال، لعلم النبي صلى الله عليه وسلم أنّه يعتد به، ولو كان معلقًا بباطن مِن إعلام مَلَك أو غيره لصرّح به، على ما وقع بيانه في كتب الأصول» اهـ (1/ 227) مِن «عارضة الأحوذي» .
? وقد يَردّ البعض ذلك بدعوى خصوصيته بالنبي صلى الله عليه وسلم لكونه معصومًا كما نقل القاضي عياض .. ولكنّ دعوى الخصوص لا تقبل إلا بدليل، لأنّ الأصل في أعماله صلى الله عليه وسلم هو التشريع للأمة فلا يُخصّص منها إلا ما خصّصه الدليل ..
ولذا فقد ردّ ابن حجر على ذلك فقال في «الفتح» (1/ 592) : «وذكر القاضي عياض عن بعضهم أنّ ذلك كان مِن خصائصه صلى الله عليه وسلم لكونه معصومًا مِن أنْ تبول وهو حاملها، ورُدّ بأنّ الأصل عدم الاختصاص .. » اهـ.
ولو كان الخوف مِن النجاسة يكفي ليكون سببًا في تخصيص حمل الأطفال بالنبي صلى الله عليه وسلم، لكان ذلك سببًا في تخصيص الصلاة بالنعال به أيضًا .. فقد ثبت أنّه صلى الله عليه وسلم: صلّى بنعليه وفيهما قذر فنبهه جبريل لذلك أثناء الصلاة فخلعهما [2] .. فهل لمتنطّعٍ أنْ يقول إنّ الصلاة بالنعال مخصوصة بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنّه معصوم. ولأنّ جبريل ينبهه إذا غفل عن النجاسة .. أمّا غيره فليس له ذلك؟؟
(1) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» (باب: تطييب المساجد) (2/ 270) بسند جيد.
(2) الحديث رواه الإمام أحمد (3/ 92) وأبو داود (650) عن أبي سعيد الخدري قال: صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فلمّا كان في بعض صلاته خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلمّا رأى الناس ذلك. خلعوا نعالهم، فلمّا قضى صلاته قال: «مَا بَالُكُمْ أَلْقَيْتُمْ نِعَالَكُمْ؟» قالوا: رأيناك ألقيتَ نَعْلَيك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا -أو قال: أَذىً- فَأَلْقَيْتُهُمَا، فَإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى المَسْجِد فَلْيَنْظُرْ فِي نَعْلَيْهِ، فَإِنْ رَأَى فِيهِمَا قَذَرًا -أو قال: أَذى- فَلْيَمْسَحْهُمَا وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا» .
وهو حديث صحيح، وفيه بيان أنّ الصحابة كانوا يصلون في المسجد خلف النبي صلى الله عليه وسلم بنعالهم، وهي سنة مطمورة مهجورة، وما ذلك إلا بسبب جهل الناس وإسرافهم في تزيين المساجد وعدم فقههم لمعنى نظافتها .. فإنّ نظافتها لا تعني زخرفتها وتزيينها والإسراف في اختيار السجّاد الفاخر النفيس المملوء بالزخارف والرسوم غالبًا .. والذي بسببه اندثرت هذه السنة .. وكما قال بعض السلف: «ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله مِن سُنَّتِهِم مثلها، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة» . رواه الدارمي مِن قول حسّان بن عطيه، ورُوي أيضًا من قول أبي هريرة انظر «المشكاة» (1/ 66) .