الشيخ). فلمّا انصرف الشيخ قال: «إنّي سمعت قولكم، وإنّي غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست غزوات أو سبع غزوات وشهدت تيسيره، وإنّي كنت أنْ أراجع مع دابتي أحبّ إليَّ مِن أنْ أدعها ترجع إلى مألفها فيشق علي» .
قال ابن حجر في «الفتح» (3/ 82) : «تنبيه: ظاهر سياق هذه القصة أنّ أبا برزة لم يقطع صلاته» .اهـ
ومثل ذلك المشي في الصلاة .. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تطوعًا والباب عليه مغلق، فجئت فاستفتحت [1] فمشى ففتح لي، ثم رجع إلى مصلاه. وذَكَرَتْ أنّ الباب كان في القبلة [2] .
ومثل ذلك ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه «كان قائمًا يصلي في بيته، فجاء رجل فاطّلع في بيته، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمًا مِن كنانته، فسدده نحو عينيه حتى انصرف» رواه الإمام أحمد (3/ 191) والبخاري في «الأدب المفرد» بسند صحيح.
ومثل ذلك أيضًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا صَلَّيْتَ فَلَا تَبْصُقْ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَلَا عَنْ يَمِينِكَ، وَلَكِن ابْصُقْ تِلْقَاءَ شِمَالِكَ إِنْ كَانَ فَارِغًا، وَإِلَّا فَتَحْتَ قَدَمَيْكَ، وَادْلُكْهُ» [3] . أخرجه النسائي والحاكم (1/ 256) وأحمد (6/ 396) وغيرهم، وهو حديث صحيح كما قال الحاكم ووافقه الذهبي ..
وأمثال ذلك كثير في سنة النبي صلى الله عليه وسلم لا يكفي المقام لحصره .. [4]
وأخيرًا .. فإنّ هذا كلّه لا يعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم: « .. اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ ... » [5] لأنّ الأصل في الصلاة الخشوع والسكون، والابتعاد عن فضول الحركة والالتفات وما لا حاجة تدعو إليه مِن الأعمال، وهذه الأفعال التي تقدم ذكرها كلّها ممّا هو منصوص عليه في الشريعة .. وبالتالي فهي مستثناة مِن غيرها مِن الأعمال والحركات الممنوعة في الصلاة والتي تخالف الخشوع والسكون، لأنّ أحكام الشريعة لا تضاد بعضها بعضًا ..
ولو تأمل المنصف هذه الأعمال والحركات التي أباحها الشارع الحكيم في الصلاة، لوجد أنّ فيها مِن التيسير والمنفعة ورفع الحرج عن الأمة ما لا يعلمه إلا الله عز وجل ... ويعلم الله عز وجل أنّنا قد جربنا كثيرًا منها خلال الصلوات، وما كانت قط سببًا في إذهاب الخشوع وإنّما الذي يذهب الخشوع ويشغل القلوب، ما انتشر وعمّ في مساجدنا مِن البدع والمعاصي والمنكرات .. وإنّي لأعرف كثيرًا مِن الصالحين تتشوش عليه صلاته، وينتقص منها خشوعه، بسبب وقوفه في الصلاة إلى جنب مدخن تفوح منه رائحة الدخان مجاهر بحلق لحيته وإسباله لثوبه أو تختّمه بالذهب أو ابتداعه في صلاته ومخالفته لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم وسنته ... بينما لا يبالي ولا ينخدش خشوعه لو صلى إلى جانب صبي أو غلام ..
(1) أي طلبت فتح الباب.
(2) رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وهو حديث صحيح الإسناد كما ذكر الشيخ ناصر في «المشكاة» ، ونقل في الحاشية عن ابن الملك (مِن الحنفية) .. مشيه عليه الصلاة والسلام وفتحه الباب، ثم رجوعه إلى مصلاه، يدلّ على أنّ الأفعال الكثيرة إذا لا تتوالى لا تبطل الصلاة، وإليه ذهب بعضهم. نقله في «المرقاة» . اهـ قال الشيخ ناصر حفظه الله: «وتقييد ذلك بعدم التوالي ممّا لا دليل عليه إلا الرأي» .
(3) عند هذا الحديث وأمثاله تشمئز نفوس كثير مِن الجهلة المتعلقة قلوبهم بسجّاد المساجد وزخارفه .. ولو تُرك الدين لأمثالهم لنقض حجرًا حجرًا .. ولكنّه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أنّهم إذ سمعوه قالوا سمعنا وأطعنا لكان خيرًا لهم ...
(4) ومِن هذه الأحاديث تتضح لك فائدة أخرى، وهي بطلان ما يردّده العامة مِن أنّ الصلاة تبطل بثلاث حركات فصاعدًا، لأنّ في هذه الأحاديث مِن الحركات ما يزيد على ذلك ..
(5) جزء مِن حديث رواه مسلم عن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ .... الحديث» رقم (331) مِن «المختصر» للمنذري.