الصفحة 20 من 45

? وقد تقدم حديث الربيع بنت معوذ عن صيام يوم عاشوراء، وبيّنا فيه أنّهم كانوا يُصوّمون صبيانهم الصغار ويذهبون بهم إلى المسجد .. إلى أنْ قالت: «فإذا بكى أحدهم على الطعام ... » وفيه حجة بليغة لنا، وذلك أنّ الصبيان كانوا في المساجد، وأنّهم إذا جاعوا كانوا يبكون ويصرخون، وبرغم ذلك، وبرغم أنّ الصحابة أورع وأحرص منّا على الخشوع، لم يكونوا يخرجونهم مِن المساجد، أو ينكر بعضهم على بعض إحضار الصبيان للمسجد، بل كل ما كانوا يفعلونه أنْ يُعطوهم اللعبة لتلهيهم ... فانظر إلى فقه السلف .. رحمهم الله تعالى ..

? وقدمنا أيضًا أنّ صبيانهم كانوا يبكون خلال الصلاة المكتوبة في المساجد، ومع ذلك لم ينههم النبي صلى الله عليه وسلم عن إحضارهم معهم، بل جعل بكاء الصبي علّة لجواز تخفيف الصلاة، فأقرّ وجودهم وأخفّ الصلاة لأجلهم، فكان ذلك حكماَ شرعيًا بجواز تخفيفها للحاجة مطلقا ....

? وليس مِن شكٍّ أنّ بكاء الصبي الشديد فيه تشويش، وخاصّة على أمه، لذلك قال السهارنفوري في «بذل المجهود» عند قوله صلى الله عليه وسلم: «كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» قال: «أيْ لأجل كراهية أنْ أوقع التشويش والحزن على أمه بسبب بكائه» اهـ. (5/ 4) .

فكان الحلّ لهذا هو تخفيف الصلاة وإيجازها، لا أنْ يُخْرَج الصبي مِن المسجد، لذلك لم يقل صلى الله عليه وسلم بعد تلك الصلاة أو غيرها: (إنّ إحضار الصبيان للمساجد فيه تشويش وإشغال للمصلين) ، فهل نحن أورع منه صلى الله عليه وسلم لنقول ذلك؟؟ أم أنّه صلى الله عليه وسلم غفل عن ذلك ونسيه أو أنقصه مِن الرسالة والبلاغ ولم يخبرنا به لنأتي نحن الناقصون القاصرون فنكمله؟؟ حاشا له مِن ذلك {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌّ يُوحَى} .

وحاشا للشرع مِن النقصان، قال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38] ...

فيتبين لك أنّ احتجاج هؤلاء بالخشوع ومنع الصبيان مِن المساجد لأجل الحفاظ عليه، ما هو إلا تنطع ظاهر، وسنة أخشع الناس صلى الله عليه وسلم تكشف تنطّعهم وتفضح زيف احتجاجهم بذلك، فأحاديث جواز بعض الأعمال والحركات في الصلاة كثيرة وقد كان صلى الله عليه وسلم يقوم بها وهو أخشع الناس، مِن ذلك ما رواه عبد الرزاق في «المصنف» (2/ 258) مِن طريق مَعْمَر عن الزهري عن أنس «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُشِيرُ فِي الصَّلَاةِ» [1] قال في «بذل المجهود» : «الإشارة المذكورة في هذا الحديث محمولة على الإشارة في الصلاة للحاجة، كردّ السلام وغيره ... » اهـ. (5/ 247) .

ومثله ما جاء عن جابر رضي الله عنه قال: كنتُ أصلي الظهر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فآخذ قبضة مِن الحصى لتبرد في كفي، ثم أضعها لجبهتي، أسجد عليها لشدة الحر [2] .

وكذا قتل العقرب والحية، فقد رخّص صلى الله عليه وسلم بقتلهما في الصلاة فقال: «اقْتُلُوا الأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ: الحَيَّةَ وَالعَقْرَبَ» رواه أبو داود وغيره وهو صحيح.

وكذا المارُّ بين يدي المصلي، فقد جاء الأمر بمنعه، بل بقتاله إنْ أصرَّ على المرور كما في «صحيح مسلم» عن أبي سعيد أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ فِي نَحْرِهِ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» .

لذلك كلّه أفتى قتادة وغيره مِن فقهاء التابعين بجواز الحركة في الصلاة لحاجة كأنْ يرى صبيًا على بئر يتخوف أنْ يسقط فيه ... وكذا إذا رأى سارقًا يريد أنْ يأخذ بغلته .. وسُئِل عن الشاة إذا دخلت البيت وصاحبه يصلي أيأخذ قصبة ويضربها فقال: «لا بأس» [3] .

وكذا ما رواه البخاري مِن طريق شعبة، عن الأزرق بن قيس قال: «كُنّا بالأهواز نقاتل الحرورية [4] ، فبينما نحن على جرف نهر إذا رجل يصلي، وإذا لجام دابته بيده، فجعلت الدابة تنازعه وجعل ينازعها، وجعل يتبعها -قال شعبة: هو أبو بَرْزَة الأسلمي-، فجعل رجل مِن الخوارج يقول: (اللهم افعل بهذا

(1) إسناده صحيح، رجاله كلّهم ثقات، ورواه أيضًا عن عبد الرزاق أبو داود في «سننه» مِن طريق أحمد بن محمد ابن شَبُّويَه ومحمد بن رافع (وهم ثقتان) قالا: حدثنا عبد الرزاق به ....

(2) رواه أبو داود وحسّنه الشيخ ناصر في «المشكاة» .

(3) كلّ ذلك ثابت عن قتادة كما رواه عبد الرزاق في «مصنفه» عن معمر عنه ...

(4) أي الخوارج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت