وكذلك الأمر بالنسبة لأمامة أيضًا فقد تقدم الحديث وهو صريح كهذا ..
? أنه صريح في أنّ ذلك كان في فريضة وليس في وقت آخر بحيث يكون المسجد خاليًا مِن المصلين كما .. قد يزعمون.
الدليل الثالث:
عن الرُبَيِّع بنت معوذ قالت: «أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: «مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيَصُمْ» . قالت: فكنّا نصومه بعدُ ونُصَوِّم صبياننا (الصغار منهم إنْ شاء الله ونذهب إلى المسجد) ونجعل لهم اللعبة مِن العهن (فنذهب به معنا) فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار).
رواه البخاري والزيادة لمسلم وهي مهمة لأنّ فيها تأكيد أنّ هؤلاء الصبيان كانوا صغارًا، ومع ذلك فقد كانوا يأخذونهم إلى المسجد .. ولذا فقد استدلّ النووي رحمه الله تعالى، في «شرح مسلم» (8/ 14) بهذا الحديث على تمرين الصبيان على الطاعات وتعويدهم العبادات وإنْ كانوا صغارًا غير مكلفين ... فالصبي الذي يبكي إذا جاع، ثم تُسْكته اللعبة وتلهيه عن الطعام يكون صغيرًا لم يعقل بعد ..
? وقد يُقال: إنّه ليس في الحديث أنّ وجود الصبيان كان في وقت الصلاة، فربّما كان ذلك في غير وقت الصلاة ... فنقول: بل في الحديث ما يدلّ على ذلك .. وذلك قولها رضي الله عنها: (أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار) فظاهره أنّهم يبقون الصغار في المسجد طوال وقت الصيام أي منذ الصباح أو بعد ذلك، وحتى الإفطار .. ربّما ليبعدوهم عن الطعام، أو غير ذلك .. وما دام الحال كذلك، فلا بدّ أنْ تمرّ على وجودهم الصلاة والصلاتان .. وربّما الثلاث.
الدليل الرابع:
عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» .
رواه البخاري وغيره.
وبوّب البخاري له بقوله باب: (مَن أخفّ الصلاة عند بكاء الصبي) .
وله أيضًا في نفس الموضع عن أنس بن مالك قال: «ما صليت وراء إمام قط أخَفّ صلاة ولا أتمّ مِن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنّه كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أنْ تفتن أمه» .
وأخرج عبد الرزاق في «مصنفه» (2/ 365) مِن مرسل عبد الرحمن بن سابط قال: «قرأ النبي صلى الله عليه وسلم في الفجر في الركعة الأولى بستين آية، ثم قام في الركعة الثانية فسمع صوت صبي فقرأ فيها ثلاثة آيات» [1] .
وفي رواية لابن أبي داود أنّه صلى الله عليه وسلم (صلى الصبح فقرأ بأقصر سورتين في القرآن) فقيل: يا رسول الله، لِمَ جوّزت؟ قال: «سَمِعْتُ بُكَاءَ صَبِيٍّ .... الحديث» [2] .
? وظاهر هذه الأحاديث يدلّ على أنّ النساء كنّ يحضرن الصبيان إلى المسجد وأنّ ذلك كان أمرًا طبيعيًا معتادًا عندهم لا ينكرونه.
وقد ردّ بعضهم الاستدلال بهذا الحديث على ذلك؛ بحجة أنّ الحديث ليس بصريح في أنّ الصبي كان في المسجد.
(1) رجاله ثقات إلا أنّه مرسل.
(2) عزاه الألباني في «صفة الصلاة» (ص 98) لابن أبي داود في «المصاحف» (4/ 14/2) .