الصفحة 16 من 45

ومِن هؤلاء ابن حجر رحمه الله تعالى، فقد قال في «الفتح» (2/ 202) : «واستدل بهذا الحديث على جواز إدخال الصبيان المساجد. وفيه نظر لاحتمال أنْ يكون الصبي مخلّفًا في بيت يقرب مِن المسجد بحيث يسمع بكاؤه» [1] قلت: ذلك محتمل، إلا أنه يُرَدّ بما رواه مسلم في «صحيحه» (1/ 342) عن أنس قال:

«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة فيقرأ بالسورة الخفيفة، أو بالسورة القصيرة» .

فقوله: (مع أمه) ظاهر بأنّه في المسجد، ويَرُد احتمال كونه مخلّفًا ..

ويشهد لذلك أيضًا زيادة لعبد الرزاق على حديث البخاري عند قوله: «مخافة أنْ تفتن أمه» ، قال: (أو تتركه فيضيع) [2] .

وأيّد ذلك السهارنفوري في «بذل المجهود» (5/ 3) فقال عند قوله صلى الله عليه وسلم «فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ» : (أي الذي جاءت به أمه معها) اهـ.

ثم وجدت ابن حجر يقول عند ذكره بكاء الصبي في موضع آخر مِن «الفتح» (2/ 346) : «وقد قدّمنا في شرحه في أبواب الجماعة أنّ الظاهر أنّ الصبي كان مع أمه في المسجد، وأنّ احتمال أنّها تركته نائماَ في بيتها وحضرت الصلاة فاستيقظ في غيبتها فبكى بعيد» اهـ.

فالحمد لله.

الدليل الخامس:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «أعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم في العشاء حتى ناداهُ عمر: قد نام النساء والصبيان .... الحديث» رواه البخاري.

وفيه أنّ الصبيان كانوا يدخلون المساجد ويحضرون الصلوات، فهو صريح أنّه في صلاة العشاء ..

وقد يقال: إنّ المعنى: أنّهم ناموا في البيوت.

فنقول: إنّ ظاهر الحديث يَرُدّ ذلك، فإنّ ظاهره أنّهم كانوا في المسجد لأنّ عمر رضي الله عنه نبّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنّهم ناموا، ولو كان ذلك النوم في البيوت لكان طبيعيًا ولا حاجة للتنبيه إليه .. هذا ظاهر الحديث، ولا يُصرف عن ظاهره إلا بدليل ..

ولذا بَوَّب البخاري لهذا الحديث بقوله: باب (وضوء الصبيان ... - إلى قوله:- وحضورهم الجماعة والعيدين والجنائز وصفوفهم) .

ولذا نقل ابن حجر في كلامه على الحديث في «الفتح» عن ابن رُشَيْد أنه قال:

«فَهِمَ منه البخاري أنّ النساء والصبيان الذين ناموا كانوا حضورًا في المسجد، وليس الحديث صريحًا في ذلك، إذ يحتمل أنهم ناموا في البيوت» ثم رَدَّ عليه فقال: «لكنّ الصبيان جمع مُحلًّى باللام، فيعم مَن كان منهم مع أمه أو غيرها في البيوت ومَن كان مع أمه في المسجد» اهـ. (2/ 346) وجزم بذلك رحمه الله تعالى في كتاب مواقيت الصلاة (باب: فضل العشاء) فقال عند قوله (نام النساء والصبيان) قال: «أي الحاضرون في المسجد، وإنّما خصّهم بذلك لأنّهم مظنة قلة الصبر عن النوم، ومحلّ المشقة والرحمة، بخلاف الرجال. وسيأتي قريبًا في حديث ابن عمر في هذه القصة: «حتى رقدنا في المسجد ثم استيقظنا» اهـ. (2/ 48) .

(1) وقول ابن حجر هذا لا يعني بأنّه لا يرى جواز إحضار الصبيان للمساجد، بل هو مِن المؤيدين الذين استدلوا على ذلك بحديث أمامة كما تقدم، ولكنّه رحمه الله يتحدّث عن الاستدلال على ذلك مِن هذا الحديث، كعادته في تفصيل الفوائد وأقوال أهل العلم عند كل حديث ..

(2) ذكرها ابن حجر في «الفتح» وهي مِن مرسلٍ لعطاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت