الصفحة 14 من 45

«وهذا الخبر بلا شكّ كان بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن مسعود «إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» لأنّ هذا القول منه - عليه السلام - كان قبل بدر، إثر مجيء ابن مسعود مِن بلاد الحبشة، ولم ترد زينب المدينة وابنتها إلا بعد بدر، بالأخبار الثابتة في ذلك؟» اهـ.

وكذا ابن دقيق العيد، فقد ذكر قول مَن قالوا بالنسخ ثم قال: «وقد رُدّ هذا بأنّ قوله صلى الله عليه وآله وسلم «إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» كان قبل بدر عند قدوم عبد الله بن مسعود مِن الحبشة، فإنّ قدوم زينب وابنتها -أي أمامة- إلى المدينة كان بعد ذلك» اهـ.

? وقد ذكر القاضي عياض دعوى خصوصية هذا بالنبي صلى الله عليه وسلم لكونه معصومًا مِن أنْ تبول وهو حاملها، «أي ما دام عِصْمة بولها عليه خاصة به صلى الله عليه وسلم، فبالتالي فإنّ جواز حمل الصبيان في الصلاة خاصٌّ به صلى الله عليه وسلم» -وهذه دعوى مردودة لأنّه لا يلزم مِن ثبوت الاختصاص في أمر، ثبوته في غيره بغير دليل، ولا مدخل للقياس في مثل ذلك كما ذكر الحافظ في «الفتح» (1/ 592) .

وقال ابن دقيق في «إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام» : (1/ 240) ردًّا على مَن خصّ حمل الصبيان والحركة أثناء الصلاة بالنبي صلى الله عليه وسلم: «الوجه الرابع: أنّ ذلك مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم، ذكره القاضي عياض رحمه الله فقال: وقد قيل هذا مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم إذ لا يؤمن مِن الطفل البول وغير ذلك على حامله: وقد يعتصم منه النبي صلى الله عليه وسلم وتعلم سلامته مِن ذلك مدة حمله. وهذا الذي ذكره إنْ كان دليلًا على الخصوص فبالمناسبة إلى ملابسة الصبية مع احتمال خروج النجاسة منها (وليس في ذلك تعرض لأمر الحمل بخصوصية) الذي الكلام فيه، ولعلّ قائل هذا لمّا أثبت الخصوصية في الحمل بما ذكره مِن اختصاص الرسول صلى الله عليه وسلم بجواز علمه بعصمة الصبية مِن البول حالة الحمل، تأنس بذلك فجعله مخصوصًا بالعمل الكثير أيضًا ... » اهـ.

فينتفى بذلك الاختصاص كما انتفى النسخ. ويثبت جواز حمل الصبيان أثناء الصلاة وفي المساجد .. وهي رخصة مهجورة مطمورة هجرها الناس .. بل أكثرهم يحاربها ويردّها .. ولو كانت حاجتهم إليها ماسّة ..

الدليل الثاني:

عن عبد الله بن شدّاد عن أبيه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشي، الظهر أو العصر، وهو حامل الحسن أو الحسين فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فوضعه ثم كبّر للصلاة فصلى، فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها. قال أبي: فرفعت رأسي [1] فإذا الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، فرجعت في سجودي، فلمّا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال الناس: يا رسول الله، إنّك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة قد أطلتها فظنّنا أنّه قد حدث أمر أو أنّه قد يوحى إليك، قال: «فَكُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ» .

رواه الإمام أحمد (3/ 493) والنسائي (2/ 230) إلا أنّه قال: «في إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسنًا أو الحديث» فربما قصد العشاء الأولى والآخرة كما كانوا يطلقون على المغرب والعشاء ... والحديث ذكره الذهبي أيضًا بشيء مِن الاختصار في «سير أعلام النبلاء» (3/ 257) [2] وقال معلِّقًًا عليه: «أين الفقيه المتنطّع عن هذا الفعل؟» .

وذكره ابن حزم في «المحلى» (3/ 125) وبوّب له بقوله: (ومَن ركب على ظهره صغير وهو يصلي فتوقف لذلك فحسن) .

وفي الحديث فوائد عديدة منها:

? أنّه نصّ ظاهر في أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أحضر الصبي معه إلى المسجد وأنّه لم يأتِ وحده دون علم ورغبة النبي صلى الله عليه وسلم كما يزعم المخالفون.

(1) قال ابن حزم في «المحلى» (3/ 125) : «ومَن استراب بتطويل الإمام في سجوده فليرفع رأسه ليستعلم: هل خفي عنه تكبير الإمام أو لا؟ لأنّه مأمور باتباع الإمام؛ فإنْ رآه لم يرفع فليعد إلى السجود؛ ولا شيء عليه؛ لأنّه فعل ما أُمر به مِن مراعاة حال الإمام» اهـ.

(2) وقال محققه الأرناؤوط: «صحيح الإسناد» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت