-ابن حزم، فقد بَوَّب في «المحلى» للحديث بقوله:
«وحمل المصلي صغيرًا على عنقه ... جائز .. » هكذا بصيغة العموم، ثم قال بعد ذكره للحديث: «وبهذا يقول الشافعي وأبو سليمان» اهـ (3/ 125) .
-وكذا النووي رحمه الله، فقد بَوّب للحديث في «صحيح مسلم» بقوله: (باب جواز حمل الصبيان في الصلاة.) ، وقال في الشرح: «الحديث يدل على جواز حمل الصبي والصبية وغيرها مِن الحيوان الطاهر في صلاة الفرض وصلاة النفل ويجوز للإمام والمأموم والمنفرد» ، قال: «وهذا مذهب الشافعي» اهـ. (1/ 239) .
-وكذا ابن حجر رحمه الله تعالى، فقد عدّد للحديث فوائد كثيرة ذكر منها: «جواز إدخال الصبيان للمساجد» اهـ «الفتح» (1/ 592) .
-وكذا الشوكاني، قال في «نيل الأوطار» (2/ 124) [1] بعد كلامه على الحديث: «ومن فوائد الحديث: جواز إدخال الصبيان المساجد ... » اهـ.
-وكذا أبو الطيب آبادي صاحب «عون المعبود شرح سنن أبي داود» ، قال في كلامه على الحديث: «وفيه -أي حديث أمامة- دليل على جواز إدخال الصبيان في المساجد» اهـ (3/ 189) .
والذين يتهرّبون مِن النصوص أو يلوون أعناقها ويقدمون العقول على النقول كثير، لذا قال النووي رحمه الله رادًّا على أمثال هؤلاء: «وادّعى بعض المالكية أنّ هذا الحديث منسوخ، وبعضهم أنّه مِن الخصائص، وبعضهم أنّه كان لضرورة، وكلّ ذلك دعاوي باطلة مردودة لا دليل عليها، وليس في الحديث ما يخالف قواعد الشرع» اهـ.
? هذا كلام النووي، وفيه أنّ الحديث محكمٌ غير منسوخ، وقد رُوي القول بنسخ الحديث عن مالك وعن ابن عبد البر، قال: «لعلّه نُسخ بتحريم العمل في الصلاة» ذكره ابن حجر في «الفتح» ثم قال: «وتُعقِّب بأنّ النسخ لا يثبت بالاحتمال، وبأنّ القصة كانت بعد قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» [2] لأنّ ذلك كان قبل الهجرة وهذه القصة كانت بعد الهجرة قطعًا بمدة مديدة». اهـ منه (1/ 592) ونقل ذلك الشوكاني في «نيل الأوطار» (2/ 123) .
وكذا ابن حزم قبلهم، فقد قال في «المحلى» (3/ 125) بعد حديث أمامة:
(1) (2/ 137) مِن طبعة الحلبي المصرية.
(2) الحديث رواه البخاري وغيره، وهو عند البخاري في (كتاب العمل في الصلاة/ باب: لا يرد السلام في الصلاة) ، (3/ 86 مِن «الفتح» ) ، و (باب: ما يُنهى مِن الكلام في الصلاة) ، (3/ 72 مِن «الفتح» ) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «كنّا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا. فلمّا رجعنا مِن عند النجاشي سلّمنا عليه فلم يرد علينا وقال: «إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلًا» أهـ.
قوله (شغلًا) : أي اشتغالًا بالقرآن والدعاء والذكر وتعظيم الله عز وجل .. فلا يصلح فيها الاشتغال بغيره مِن كلام البشر وما لا يجوز في الصلاة ...
وقوله (فلم يرد علينا) في رواية لمسلم «فقال لي بيده هكذا» وفي رواية له أخرى «فأشار إليّ» فيحمل قوله في الحديث (فلم يرد عليّ) أي باللفظ.
ومِن هذا الحديث يظهر لك جواز السلام على المصلي وهو في صلاته. بخلاف ما يردده العامة مِن عدم الجواز، فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ينكر تسليمهم عليه، ولا نَسَخَه، وإنّما الذي نُسخ هو ردّ المصلي للسلام لفظًا، وبقي جواز الردّ بالإشارة كما في هذا الحديث وغيره ..