وهاتفتني من هناك ويومها سألتك عن وجهتك بعد سقوط مهاجرك في أفغانستان أتفكر بالعودة إلى بلدك الذي خرجت منه؟ فقلت: (معاذ الله أن نرجع إلى أرض الذل بعد أن ذقنا عزة الجهاد، اللهم إلا مجاهدين أو فاتحين إن شاء الله) ...
وكان هذا آخر العهد بك، حيث حال بيننا السجن ..
ثم سقطت بغداد تحت براثن الأمريكان فعجّلت المسير إليها تتشوق وتتطلع لمقارعة الصليبيين هناك ..
وهناك على ضفاف دجلة والفرات التي عبرتها خيول جيوش المسلمين من قبل كان الاستشهاد إن شاء الله.
لهفي على البطل المعرِّض صدره ... وجبينه لأسنّة النيرانِ
لا يبعدن أخو الشجاعة إذ ثوى ... مستشهدًا في طاعة الرحمن
حُصرت وإخوة معك فلم تستسلموا وقاتلتم بعتاد قليل حتى آخر رمق ..
فمضيت مجاهدًا وقضيت أسدًا في مواجهة الصليبيين من الأمريكان أنت وثلاثة من إخوانك من مصر الكنانة لا أعرفهم؛ ولا يضرهم أن لا أعرفهم فحسبهم أنّ الله يعرفهم، صبرتم على مواجهة أعداء الله رغم قلة عتادكم، وما ظفروا بك إلا برماية مروحياتهم في شهر محرم لعام 1425هـ، فأسأل الله تعالى أن يتقبل منك ومن إخوانك ..
فقدنا فتىً قد كان للأرض زينةً ... كما زيّنت وجه السماء الكواكبُ
سقى جدثًا أمسى غريبًا مجندلًا يحلّ به دانٍ من المزن ساكبُ
ولا أملّ أن أدعو لك كلما مررت بآياتٍ من كتاب الله تُذكّرني بك، فلا أنسى تعلّقك بكتاب الله وتدبّرك وتأملك لآياته، لا تُفوّت فرصة تفكرٍ في آيات الله إلا لَفتَّ نظر إخوانك إليها ..
أتذكرك يوم كنا نسير وسط غابة في خريفٍ مضى والأرض مكسؤّة بورق الشجر اليابس ويتساقط ورق آخر من حولنا، فالتقطتَ ورقة وقلتَ: (اللهُ أكبر؛ تأملوا يا إخوة هذه الورقة، وهذا الورق كله يعلمه الله وهو عنده في كتاب مبين عنده!!) .. وتلوت ووجهك يتلألأ نورًا قوله تعالى: { .. وما تسقط من ورقةٍ إلا يعلمها ولا حبةٍ في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} .