يقول الله تعالى للمؤمنين بعد ما أصابهم في أحد: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (آل عمران:140) . إن التعبير بقوله تعالى (يتخذ منكم شهداء) تعبير عجيب عن معنى عميق -كما يقول صاحب الظلال - فالشهداء مختارون يختارهم الله ويصطفيهم من بين سائر الناس، يستخلصهم لنفسه ويخصهم بقربه .. وذلك ليس للبطالين ولا لأعداء هذا الدين؛ إنما هو لأنصار هذا الدين وأجناده المخلصين ..
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: (( لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى؛ فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخلي حرقة الشجي، فتنوع المدعون في الشهود فقيل لا تثبت هذه الدعوى إلا ببينة (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه (، فتأخر الخلق كلهم وثبت أتباع الرسل في أفعاله وأقواله وهديه وأخلاقه، فطولبوا بعدالة البينة وقيل لا نقبل العدالة إلا بتزكية(يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) ، فتأخر أكثر المدعين للمحبة وقام المجاهدون، فقيل لهم: إن نفوس المتحابين وأموالهم ليست لهم فسلموا ما وقع عليه العقد، فـ (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) ، وعقد التبايع يوجب التسليم من الجانبين، فلما رأى التجار عظمة المشتري وقدر الثمن وجلالة قدر من جرى عقد التبايع على يديه ومقدار الكتاب الذي أثبت فيه هذا العقد، عرفوا أن للسلعة قدرًا وشأنًا ليس لغيرها من السلع فرأوا من الخسران البين والغبن الفاحش أن يبيعوها بثمن بخس دراهم معدودة، تذهب لذتها وشهوتها وتبقى تبعتها وحسرتها، فإن فاعل ذلك معدود في جملة السفهاء فعقدوا مع المشتري بيعة الرضوان رضاء واختيارًا من غير ثبوت خيار، وقالوا: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، فلما تم العقد وسلموا المبيع، قيل لهم: قد صارت نفوسكم وأموالكم لنا والآن فقد رددناها عليكم أوفر ما كانت وأضعاف أموالكم معها، (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) .. )) (زاد المعاد: 3/ 73)
رحم الله إخواننا وتقبلهم عنده في الشهداء الأبرار وجمعنا بهم في علّيين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أبو محمد المقدسي
رجب 1423هـ