الصفحة 72 من 152

ففي هذه الآيات تأكيد لما أسلفناه من أن أصل طريق الأنبياء وقطب رحاها هو اجتناب الطواغيت والبراءة منهم والكفر بهم ومعاداتهم وبغضهم هم وأتباعهم .. فأنت ترى موسى ها هنا يصف طاغوت زمانه وملأه بالضلال والإضلال ويدعو هو وأخيه ربهما أن يطمس على أموالهم ويشدد على قلوبهم .. إلى آخر دعائه .. وليس كما يفعل المفتونون اليوم ممن ينتسبون إلى دعوة الأنبياء زوراَ وبهتانًا حيث يعكسون ويضادون منهجهم، فربما وصفوا الطاغوت بالحكمة والحنكة بل والعدالة أو بالقيادة الفذة أو بإمام المسلمين وولي أمرهم أو يدعون له بالنصر والتأييد ونحو ذلك من ضلالاتهم ..

ولما كانت براءة موسى ومن معه من طاغوت زمانهم وملئه ومعاداتهم وبغضهم هو الحق المبين وملة إبراهيم وسبيل الأنبياء أجمعين وأتباعهم من المؤمنين الصادقين؛ استجاب الله لدعائه هو وأخيه، وأمرهما سبحانه أن يستقيما على ذلك المنهاج القويم وأن لا ينحرفا عنه إلى سبيل الذين لا يعلمون ...

وتأمل وصف الله تعالى لغير سبيل الأنبياء أيًا كان بسبيل الذين لا يعلمون .. فسبيل الأنبياء هو السبيل الذي تجتنب فيه الطواغيت وهو سبيل البراءة من كل ما يعبد من دون الله ومن عابديه وأنصاره وأشياعه وبغضهم وعداوتهم وهي سبيل الحكمة وسبيل العلم وسبيل المؤمنين .. (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا) .. وكل سبيل يركن إلى الطواغيت فلا يجتنبها، أو يتولاها وينصرها ويدعو لها ولا يكفر بها، فهو سبيل الجاهلين الذين لا يعلمون وسبيل المغضوب عليهم والضالين، وسبيل المجرمين .. (وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ)

* واعلم أن في آية سورة يونس المذكورة فائدة أخرى .. وهي أن للمسلم إذا ما اضطهده الطواغيت أو ضيقوا عليه وطاردوه وطلبوه؛ أن يتخفى ويتخذ مسجده في بيته أو في بيت من بيوت إخوانه، وأن لا يخرج إلى المسجد ولو كان مما أسس على التقوى لا لجمعه أو جماعة .. إذ (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) وقد أشار ابن حزم فيما تقدم إلى نحو هذا وسيأتيك عن الإمام أحمد وغيره مثله، والضرورات تبيح المحظورات المتفق عليها؛ فكيف بغيرها .. [1]

(1) الإشارة إلى الخلاف في وجوب صلاة الجماعة في المسجد، وصحة إيقاعها جماعة في غيره عند الحاجة؛ وأفضلية إيقاعها ولو منفردًا في فلاة .. والأدلة على هذا كله معلومة في السنة .. وهذا ليس فيه تهوين ولا تقليل من أهمية صلاة الجماعة وأفضليتها في المسجد فالفضائل فيها معلومة وأكثر من أن يستوعبها هذا الموضع .. بل نحن ننكر على من احتج بالآية المذكورة على ترك صلاة المسجد مطلقًا بحجة الاستضعاف العام الذي يحياه أهل الإسلام اليوم، وربما احتجوا لذلك ببعض إطلاقات سيد رحمه الله في الظلال حول هذه الآيات فوصفوا جميع مساجد المسلمين اليوم بالضرار أو بمعابد الجاهلية .. أعني قوله: (وهذه التجربة التي يعرضها الله مع العصبة المؤمنة ليكون لها فيه أسوة ليست خاصة ببني إسرائيل فهي تجربة إيمانية خالصة وقد يجد المؤمنون أنفسهم ذات يوم مطاردين في المجتمع الجاهلي، وقد عمت الفتنة وتجبّر الطاغوت وفسد الناس وانتنت البيئة -وكذلك كان الحال على عهد فرعون في هذه الفترة- وهنا يرشدهم الله إلى أمور: *اعتزال الجاهلية بنتنها وفسادها وشرها -ما أمكن في ذلك- وتجمع العصبة المؤمنة الخيّرة النظيفة على نفسها، لتطهيرها وتزكيتها وتدريبها وتنظيمها، حتى يأتي وعد الله لها. *واعتزال معابد الجاهلية واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد تحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي، وتزاول فيها عبادتها لربها على نهج صحيح، وتزاول بالعبادة ذاتها نوعًا من التنظيم في جو العبادة الطهور) أهـ ص1816.

وهذا الكلام لا يدل على الفهم المشار إليه أعلاه فقد عاشرت من كانوا من اقرب الناس لسيد رحمه الله ولم يكونوا معتزلين للمساجد بالكلية بل كان بعضهم أئمة رسميين لبعض المساجد وما سمعتهم يسمون المساجد كلها بمعابد الجاهلية، كما يفعل الغلاة .. وإن كان عند كثير منهم أخطاء في مسألة إعادة الصلاة خلف المصلي مستور الحال ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت