ومرادنا من هذا أن العرف مضى عند الناس على أن الغالب في الداعي للسلطان على المنبر، أنه داخل في ولايته وبيعته غير غامز ولا طاعن فيها ..
وهذا وإن كان عرفا قديما قد مضى ولكنه في الحقيقة عين الشيء الذي يفهمه الناس اليوم عندما يسمعون من خطيب الجمعة الثناء المبالغ على (الطاغوت) أو الدعاء له بالنصر والعز والتأييد ..
ويحصل شيئ من التلبيس القريب من هذا في عموم الدعاء له ..
ولا يزول هذا التلبيس في دعاء الخطيب للطاغوت، إلا بصورة تنكر باطله وتنبه الناس قل من يفعلها؛ كتلك الصورة التي سمعتها عن خطيب ضغطوه وأزعجوه ليدعو للحاكم فوعدهم بالدعاء في الجمعة القادمة؛ فكان دعاؤه هكذا (اللهم وفق ملك البلاد للحكم بالكتاب والسنة وترك الحكم بالقوانين الوضعية واهده لموالاة المؤمنين وترك موالاة الكافرين .. ) فما كان منهم إلا أن طلبوا منه أن يكف عن الدعاء .. وهذه نادرة من النوادر لم أسمعها إلا عن واحد .. وإلا فعموم الخطباء إن لم يبالغوا في الدعاء المظهر للولاء؛ دعوا بدعاء يلبس على الطغام ويخلط النور بالظلام ..
ولذلك فنحن نكره الدعاء عموما للحكام على المنابر بأي صورة كانت، ويتأكد ذلك ويدخل في التولي إذا كان الدعاء بالنصر والتأييد وليس بالهداية فقط؟؟ وأسوأ منه إذا سمى الطاغوت إمام المسلمين أو ولي أمر المسلمين ونحوها من المسميات الشرعية ..
ثالثا: ومن الأسباب التي تجعلنا نكره الدعاء للحكام على المنابر ونكره الصلاة خلف فاعله كون (المؤمن شريك للداعي) :
هذا واعلم أن المؤمِّن على مثل ذلك شريك لقائله فيه، إن كان كفرًا أو شركًا أو حرامًا فهم يقتسمونه بينهم الداعي والمؤمِّنون والحكم طبعا لا يتنزل على الأعيان إلا بعد اجتماع الشروط وانتفاء الموانع ..
إذ أن المؤمّن والداعي سواء .. يدل عليه قول الله تعالى لموسى وأخيه هارون عليهما السلام: (قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا) مع أن الداعي المتكلم كان موسى وذلك لأن هارون كان يؤمّن كما ذكره أهل التفسير ..
ومن المناسب هنا أن نسوق الآيات من أولها فإن لها وجه مناسبة فيما نحن في صدده ... قال تعالى في سورة يونس: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ، قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ)