(المبحث الأول) في صفة مسجد الضرار وما يمكن أن يلتحق به
قال الله تعالى في سورة براءة: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ، أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)
فقد بين الله تعالى لنا في هذه الآيات صفات مسجد الضرار .. ولا شك أن في بيان ذلك فائدة للعباد؛ فلا يمكن أن يبيّنها جل ذكره عبثًا، فتعالى الله وتنزه عن العبث، وليست هي كما قد يظن كثير من الذين لا يعلمون في قوم ولّوا ولم يعقبوا وارثًا، بل هي تتناول واقعنا وزماننا وكذلك كل زمان؛ كأنما أنزلت فيه غضة طرية نقية كما أنزلت أول يوم وستبقى كذلك إلى يوم القيامة ..
فمن صفات المسجد الذي أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم باجتنابه وعدم القيام فيه أبدًا:
-أولا: كون المسجد (ضرارًا) ، أي فيه ضرر للمسلمين وإضرار بدينهم .. وفي الحديث (لا ضرر ولا ضرار) رواه الإمام أحمد وابن ماجة وغيرهما.
ولا شك ولا ريب أن أعظم ضرر في الوجود وأشده ما كان في جنب التوحيد، لأن الإضرار به أو هدمه هو أعظم المفاسد وأشدها، وما أرسلت الرسل أصلًا ولا أنزلت الكتب وشرع الجهاد والاستشهاد إلا لحفظ جناب التوحيد وتحقيقه ودرء الإضرار به ..
-ثانيًا: أن يؤسسه كافر، أو منافق بناء على طلب أو أمر أو توصية من كافر، قال تعالى في صفة مسجد الضرار: (وَكُفْرًا) ، فالمنافقون هم الذين أسسوه وبنوه بناء على طلب وتوصية من أبي عامر الراهب الكافر [1] الذي لم يأل جهدًا في حرب النبي صلى الله عليه وسلم وعداوته إلى أن هزمت هوازن في حنين، حيث خرج إلى الروم يستنصر بهم على النبي صلى الله عليه وسلم وأرسل إلى المنافقين، أن استعدوا بما استطعتم من قوة وابنوا مسجدًا فإني ذاهب إلى قيصر فآت بجند من الروم لأخرج محمدًا من المدينة، فبنوا مسجد الضرار.
وقد قال تعالى في بنائه: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) والتأسيس هو
(1) ربما لا يعرف الكثيرون أنه والد (حنظلة غسيل الملائكة رضي الله عنه) فسبحان الذي يخرج الحي من الميت ..