ولاية الأئمة والولاة بترك الصلاة خلفهم، وترتب الأذى على من فعل ذلك .. بخلاف سائر الصلوات فالمساجد تتعدد وفي كل حي جماعة فالاختيار واسع فلأي شيء يصلى خلف الفاسق!؟
ولذلك قال البربهاري: (وإن كان إمامك يوم الجمعة جهميًا، وهو سلطان، فصل خلفه، وأعد صلاتك) شرح السنة: صـ (49) والإعادة هنا لأجل أن بدعة الجهمية مكفرة.
وقد تقدم تفريق سفيان الثوري في الصلاة خلف كل بر وفاجر لما سأله شعيب: الصلاة كلها؟ قال: لا، ولكن الجمعة والعيدين صل خلف من أدركت، وأما سائر ذلك فأنت مخير لا تصل إلا خلف من تثق به وتعلم أنه من أهل السنة والجماعة).
وهذا معنى قول من قيد قوله من الفقهاء بعبارة (ولم يستطع أن يُصلي خلف غيره من العدول بغير ضرر أو أذى) أو نحوها .. فقد أخذوا ذلك من فعل الصحابة رضي الله عنهم، حيث صلوا خلف أئمة الجور كالحجاج ومروان وغيرهما، قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: (وفعلُ الصحابة محمولٌ على أنهم خافوا الضرر بترك الصلاة معهم، فقد رَوَيْنا عن عطاء، وسعيد بن جبير: أنهما كانا في المسجد، والحجاج يخطُبُ، فصلَّيا بالإيماء، وإنما فعلا ذلك لخوفهما على أنفسهما إن صلَّيا على وجهٍ يَعلمُ بهما) المغني ج3/ 21.
ويصدّق هذا التعليل (خافوا الضرر بترك الصلاة معهم) قول حذيفة كما في الصحيح بعد أن ذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحصوا لي كم يلفظ الإسلام قال فقلنا يا رسول الله أتخاف علينا ونحن ما بين الست مائة إلى السبع مائة؟ قال: إنكم لا تدرون لعلكم أن تبتلوا. قال: فابتلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سرا)
قال ابن حجر: (وأما قول حذيفة(فلقد رأيتنا ابتلينا الخ) فيشبه أن يكون أشار بذلك إلى ما وقع في أواخر خلافة عثمان من ولاية بعض أمراء الكوفة كالوليد بن عقبة حيث كان يؤخر الصلاة أو لا يقيمها على وجهها، وكان بعض الورعين يصلي وحده سرا ثم يصلي معه خشية من وقوع الفتنة
وفي ذلك علم من أعلام النبوة من الأخبار بالشيء قبل وقوعه، وقد وقع أشد من ذلك بعد حذيفة في زمن الحجاج وغيره.) اهـ. الفتح (6/ 178)
وجاء في اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: (وصلاة الجمعة خلفه [1] وخلف من وَلِيَ، جائزة إمامته ركعتين، من أعادهما فهو مبتدعٌ، تاركٌ للآثار، مخالفٌ للسنة .. ) [2] .
وقال سهل بن عبدالله التستري رحمه الله تعالى في اعتقاده: (ولا يترك الجماعة خلف كلِّ والٍ جائر أو عدل) أخرجه اللاكائي ج1/ 183، كما قرَّر ذلك أبو الحسن الأشعري في كتابه الإبانة
(1) (أي: إمام المسلمين)
(2) ذكره اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ج1/ 161.