فقال المرداوي: (أمَّا الفاسق ففيه روايتان: إحداهما لا تصحُّ، وهو المذهبُ، سواءٌ كان فسقه من جهة الاعتقاد أو من جهة الأفعال من حيثُ الجملة، وعليه أكثر الأصحاب، قال ابن الزَّاغُونيِّ: هي اختيارُ المشايخ، قال الزركشيُّ: هي المشهورةُ قال الشيخُ تقيُّ الدين: لا تصحُّ خلف أهل الأهواء والبدع والفَسَقة مع القدرة، والرواية الثانية: تصحُّ وتكره، وعنه: تصحُّ في النفل، جزم به جماعة، قال ابنُ تميم: ويصحُّ النفل خلف الفاسق روايةً واحدة، قاله بعض الأصحاب، .... وعنه: لا تصحُّ خلف فاسق بالاعتقاد بحال، فعلى المذهب: يلزمُ من صلى خلفه الإعادةُ، سواءٌ عَلِمَ بفسقه وقتَ الصلاة أو بعدها، وسواءٌ كان فسقه ظاهرًا أو لا، وهذا الصحيحُ من المذهب، قدَّمه في الفروع، والزركشي، وابن تميم، ومجمع البحرين، ونصَّ عليه في رواية صالح، والأثرم، وهو ظاهر كلامه في الكافي، وقال ابنُ عقيل: لا إعادةَ إذا جَهِلَ حالَه مطلقًا، كالحدث والنجاسة، وفرَّق بينهما في مجمع البحرين: بأن الفاسقَ يَعلَمُ بالمانع، بخلاف المحدِث الناسي، إذ لو علِمَ لم تصحَّ خلفه بحال، وقيل: إنْ كان فسقه ظاهرًا، أعادَ وإلا فلا للعذر، وصحَّحه المصنف والمجد، وجزم به الخرقي والوجيز وقال في الرعاية: الأصحُّ أن يُعيد خلف المعلن، وفي غيره روايتان، وقيل: إن علم لَمَّا سلَّم، فوجهان وإن علم قبله فروايتان قال في المحرَّر والفائق: وإن ائتمَّ بفاسقٍ من يَعلمُ فسقَه فعلى روايتين .. ) [1] .
وكما قلنا فمجرد وجود الرواية الأخرى التي تصحح الصلاة خلف الفاسق؛ ينقض على من يحاول الاستدلال بالرواية الأولى ويحرفها على غير مراد الإمام ..
ويجب على طالب العلم أن يمحص أقوال الأئمة ويفهم مرادهم في قولهم (لا يُصلَّى خلف الفاسق) و (لا ينبغي أن يكون إماما) و (لا يجوز أن يقدم) ونحوها .. فقد قدمنا لك أن كل ذلك شيء غير القول ببطلان الصلاة خلفه وإعادتها كما يتعسف في فهمه بعض الغلاة في زماننا، ويوضح ذلك ويفسره رواية المَرٌوذي قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: إذا عرف الرجل بالكذب فيما بينه وبين الناس، ولا يَتوقى في منطقه، فكيف يؤتمن هذا على ما استتر فيما بينه وبين الله تعالى؟! مثل هذا لا يكون إماما، ولا يصلى خلفه، قلت: يا أبا عبد الله، فيعيد من يصلي خلفه؟ قال: لا أدري، ولكن أحب أن يعتزل الصلاة خلفه.
فتأمل قول الإمام (لا أدري) في شأن الاعادة، مقابل تشديده في ترك الصلاة خلفه .. فكل ذلك محمول على الردع والزجر للفساق وأمر المصلين والولاة بتقديم الأفضل والأكمل والأولى، وليس في ذلك ما يمت إلى مذهب الغلاة بصلة .. وقارن ورعه في هذا النص وقوله (لا أدري) مع تهور الغلاة الجهال في ابطالهم صلاة الفساق وغيرهم .. شتان والله بين نور العلم وظلمات الجهل.
وقد جاء في رواية عبدوس عن الإمام أحمد في إعادة الصلاة خلف الفاجر قوله: (من أعادها فهو مبتدع) نقل ذلك عنه شيخ الاسلام ابن تيمية وقال تعليقا عليه: (وهذا أظهر القولين لأن الصحابة لم يعيدوا الصلاة إذا صلوا خلف أهل الفجور والبدع) اهـ. فتأمل ترجيحه للرواية الثانية عن أحمد.
(1) الإنصاف ج4/ 354.