فتأمل تفريق أحمد بين الداعية وغيره في النهي عن الصلاة خلف أهل البدع لتتعرف على تفاصيل مذهبه وتنقل عنه بعلم، ولا تحتطب من أقواله بليل.
ومنه ما جاء عن أبي بكر المروذي قال: سمعت أبا عبد الله يقول: (المرجئ إذا كان يخاصم فلا يصلى خلفه) المرجع السابق نفس الموضع.
وروى أبو بكر الخلال عن سليمان بن الأشعث قال: قلت لأحمد: يُصلى خلف المرجئ؟ قال: (إذا كان داعية فلا تصلي خلفه) المسائل والرسائل 2/ 370
وفيه أيضا عن حرب بن إسماعيل قال: سمعت أحمد يقول: (لا يصلى خلف من زعم أن الإيمان قول إذا كان داعية) .
تأمل هذا! مع أن أبا بكر الخلال روى عن إسماعيل بن سعيد قال سألت أحمد: هل تخاف أن يدخل الكفر من قال: الإيمان قول بلا عمل؟ فقال: لا يكفرون بذلك) اهـ. المرجع نفسه (2/ 370)
ومع ذلك ينهى عن الصلاة خلف الداعية منهم، ومنه تعرف أن نهي الإمام أحمد عن الصلاة خلف بعض طوائف المبتدعة لا يستلزم ولا بد كفر المنهي عن الصلاة خلفهم كما لا يستلزم بطلان الصلاة دائما والقول بإعادتها إلا أن تكون البدعة مكفرة ..
ولذلك فلعله على هذا يحمل ما رواه اللالكائي (5/ 1067) عن محمد بن أسلم قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: (من كان داعية إلى الإرجاء فإن الصلاة خلفه تعاد) اهـ. فلعله يعني غلاتهم الذين كفرهم الأئمة والله أعلم.
ومثله ما نقله شيخ الإسلام أعلاه عن الخرقي: (ومن صلى خلف من يجهر ببدعة أو منكر أعاد)
والشاهد أن مثل هذه المرويات لا ينبغي لبعض المتسرعين تناولها بسطحية؛ بالفرح ببعضها دون جمعها مع أخواتها التي تفصّلها وتبيّنها بل الواجب تمحيصها ومعرفة حقيقة مراد الأئمة منها فإعمال كل في مناطه، أولى من الفرح بالبعض وإهمال البعض، ومن ثم تنزيل أقاويل الأئمة على غير مناطاتها وتحميلها ما لاتحتمل، كما هو واقع كثير من المبتدين والغلاة.
رابعا: خلاصة أقاويل من قال بعدم صحة الصلاة خلف الفاسق:
وقد ذهب الإمام مالك في رواية [1] ، والإمام أحمد في رواية [2] : إلى عدم صحة الصلاة خلف الفاسق في غير الجمعة والعيدين.
(1) انظر المنتقى شرح الموطأ ج1/ 236 للباجي.
(2) انظر: مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود ص42 و المغني مع الشرح الكبير ج2/ 25.