قال تعالى مخاطبًا كل حنيف موحد: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) [الممتحنة4] .
* يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب (صاحب كتاب فتح المجيد) : (فمن تدبر هذه الآيات عرف التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه وعرف حال المخالفين لما عليه الرسل وأتباعهم من الجهلة المغرورين الأخسرين) أهـ. من الدرر السنية جزء الجهاد ص93
-وجاء فيه أيضا ص221: (فهذه هي ملة إبراهيم التي قال الله فيها(وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ) فعلى المسلم أن يعادي أعداء الله ويظهر عداوتهم ويتباعد عنهم كل التباعد وأن لا يواليهم ولا يعاشرهم ولا يخالطهم ... ) أهـ.
قلت: فكيف باتباع سبيلهم واتخاذهم أئمة في أعظم شعائر الدين .. ؟؟
-ويقول الشيخ حمد بن عتيق: (فقوله"وبدا"أي ظهر وبان، وتأمل تقديم العداوة على البغضاء، لأن الأولى أهم من الثانية، فإن الإنسان قد يبغض المشركين ولا يعاديهم فلا يكون آتيا بالواجب عليه حتى تحصل منه العداوة والبغضاء، ولا بد أيضًا من أن تكون العداوة والبغضاء باديتين ظاهرتين بينتين، واعلم أنه وإن كانت البغضاء متعلقة بالقلب، فإنها لا تنفعه حتى تظهر آثارها وتتبين علاماتها، ولا تكون كذلك حتى تقترن بالعداوة والمقاطعة، فحينئذ تكون العداوة والبغضاء ظاهرتين) أهـ من كتاب سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك.
وتأمل قول الله تعالى في هذه الآيات (إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) وكيف قدم سبحانه البراءة من المشركين العابدين غير الله على البراءة من معبوداتهم التي أشركوها مع الله؛ وفي هذا تنبيه على أن الأول أهم من الثاني، لأن كثيرًا من الناس قد يتبرأ من الأرباب المعبودة مع الله؛ ولكنه لا يتبرأ ممن عبدها وناصرها وتولاها من المشركين، فلا يكون بهذا وحده على ملة إبراهيم وطريق الأنبياء والمرسلين، أما إذا تبرأ من المشركين فإن هذا يستلزم البراءة من معبوداتهم وهذا كقوله تعالى: (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) وقوله (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) وقوله عن الفتية أصحاب الكهف: (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ) فقدم اعتزال المشركين على اعتزال معبوداتهم في ذلك كله، تنبيها على هذا الركن العظيم .. فافهمه وعض عليه بالنواجذ، فإنه سبيل النجاة والفكاك، ومن أعظم ما يقربك إلى الله .. وما نال خليل الرحمن تلك المنزلة المقربة من الله إلا بتباعده عن المشركين ومعاداته ومباينته لهم ... [1]
* وقال تعالى: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا، الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا، وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ
(1) راجع سبيل النجاة والفكاك للشيخ حمد بن عتيق، ورسالتنا ملة إبراهيم ..