* ويُستدل لما نحن فيه أيضا بقول الله تعالى: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)
وبقوله سبحانه: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا) فهذه الآيات تدل على بطلان صلاة الكافر وسائر أعماله .. فإذا تقرر أن صلاة الكافر حابطة باطلة كسائر عمله .. وأن الصحيح الراجح أن صلاة المسلم لا تصح إلا بقراءة الفاتحه، وإنما تسقط عنه عند بعض أهل العلم اذا صلي مأموما، فتجبرها عنه قراءة الإمام، قال ابن قدامه في العمدة: (ولا صلاه لمن لم يقرأ بها إلا المأموم فإن قراءة الإمام له قراءة) واحتج له شارحه بكون القراءه (لو كانت واجبه عليه لم تسقط عن المسبوق كبقية الاركان) انتهي [1] .
قلت: فيتفرع من هذا بطلان صلاة المأموم المؤتم بالكافر إن لم يقرأ بفاتحة الكتاب لبطلان عمل الكافر كما تقدم في الآيات، وهذه فائدة في الكلام على مسألتنا من جهة الفروع الفقهية؛ وقد عرفناك أننا لا نرضى أن نتكلم عليها إلا بربطها بالأصول، ولذلك احتججنا بقوله تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) ومعلوم أن الولاء والبراء من أوثق عرى الإيمان ولذلك قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) ؛ فتأمل كيف جعل الله تعالى التفريط في هذه العرى الوثقى من الفتنه في الأرض والفساد الكبير؛ فكيف بمن يعكس مطلب الشارع في البراءة من الكفار فيتولاهم؛ ويزيد على توليهم تقديمهم والائتمام بهم والصلاه خلفهم؟؟ وقد أُمر أن يؤخرهم ويهينهم ويبرأ منهم!
* ويقول تعالى آمرًا النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ) وتأمل قوله تعالى (وَلاَ تَرْكَنُوا) ثم اعلم أن الركون: هو الميل اليسير .. فكيف بما نحن في صدده مما يدخل في كل الميل؟؟
-قال سفيان الثوري: (من لاق لهم دواة أو برى لهم قلمًا، أو ناولهم قرطاسًا دخل في هذا) أهـ.
قلت: فكيف بمن اتخذهم أئمة في الدين واقتدى بهم وتابعهم مختارًا دونما إكراه .. ؟؟
-وقال القرطبي: الصحيح في معنى هذه الآية أنها دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم.
(1) واحتج بحديث: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) وهذا الحديث ضعفه أهل العلم، قال الشوكاني في"نَيْل الأوطار":"رُوِيَ مُسنَدًا مِن طرُقٍ كلُّها ضِعافٌ، والصحيح أنه مُرسَل. وهو حديث ضعيف باتفاق المُحدِّثين". انتهى.