الإسلام، فأبقينا ذلك في عموم ما تفضل به ربنا علينا .. إذ ليس لنا أن نخص أو نقيد من عموم كلام الله إلا ما خصصه أو قيده هو سبحانه في كتابه أو في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم فحمدناه وشكرناه على ما وسع علينا، وسمعنا له وأطعناه سبحانه فيما حده لنا فلم نميّعه أو نتعداه ..
وفي هذا فائدة بأن الشرك والكفر الذي يحاول أهله أن يلبسوه ثوب الإسلام أو أن يموّهوا؛ فيرفعوا عليه لافتات إسلامية زائفة؛ هو أشد خبثًا وخطرًا من الشرك والكفر المعروف عند أهل الكتاب أو غيرهم والذي لا يخفى أو يلتبس على أهل الإسلام ..
-ولعل من هذا ما يُروى من أمر النبي صلى الله عليه وسلم أهل الطائف أن يتخذوا مسجدهم في المكان الذي كان فيه طاغوتهم قبل إسلامهم وذلك بعدما أزهق وهدم وغير [1] ؛ ومثل ذلك ما رواه ابن حبان والنسائي وأحمد وغيرهم عن قيس بنِ طَلْقٍ عن أبيه، قال: خَرَجْنَا سِتَّةُ وَفْدٍ إلى رسولِ اللَّهِ، خَمْسَةٌ من بَنِي حَنِيفَةَ، والسَّادِسُ رَجُلٌ مِنْ ضُبَيْعَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، حَتَّى قَدِمْنَا على رسولِ اللَّهِ، فَبَايَعْنَاهُ وصلَّيْنَا مَعَهُ، وَأَخْبَرْناهُ أَنَّ بِأَرْضِنَا بِيْعَةً لَنَا، وَاسْتَوْهَبْنَاهُ مِنْ فَضْلِ طَهُورِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ وَتَمَضْمَضَ، ثمَّ صَبَّهُ لَنا في إدَاوَةٍ، ثمَّ قال: «اذْهَبُوا بِهاذا الماءِ، فَإِذا قَدِمْتُمْ بَلَدَكُمْ، فَاكْسِرُوا بَِيْعَتَكُمْ، ثمَّ انْضَحُوا مكانَها مِنْ هاذا الماء، واتَّخِذُوا مكانَها مَسْجِدًا» ، فقلنا: يا رسولَ اللَّهِ، البَلَدُ بَعِيدٌ، والماءُ يَنْشَفُ، قال: «فَأَمِدُّوهُ مِنَ الماءِ، فَإِنَّهُ لَا يزيدُهُ إِلَّا طِيبًا» ، فخرجنا، فَتَشَاحَحْنا على حَمْلِ الإِدَاوَةِ أيُّنا يَحْمِلُهَا، فَجَعَلَهَا رسولُ اللَّهِ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَّا يَوْمًا وَلَيْلَةً، فَخَرَجْنَا بِهَا حَتَّى قَدِمْنَا بَلَدَنَا، فَعَمِلْنَا الَّذِي أَمَرَنَا وَرَاهِبُ ذالِكَ القَوْمِ رَجُلٌ مِنْ طَيِّاءٍ، فَنَادَيْنَاهُ بالصَّلاةِ، فقالَ الرَّاهِبُ: دَعْوَةُ حَقَ، ثمَّ هَرَبَ، فَلْمَ يُرَ بَعْدُ».
بينما لم يقر مسجد الضرار ولا صلى فيه، بل هدمه وما اتخذ مكانه مسجدًا، وحرم الله القيام فيه أبدًا ..
2 -وشبهة أخرى: فقد يقال: أنكم ذكرتم عن أهل العلم كراهة الصلاة في البيعة أو الكنيسة أو نحوها إن كان فيها تماثيل أو تصاوير .. ثم ذكرتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى في عمرة القضاء في البيت ثلاثة أيام وفيه الأصنام والتماثيل ..
فيقال: شأن البيت الحرام ليس كغيره، إذ ليس فيه مجال للاختيار خصوصًا في الحج والاعتمار، بخلاف سائر بقاع الأرض فمجال الاختيار فيها واسع .. وما دام سلطان الإسلام غير حاكم على
(1) هو اللات .. وأصل الحديث رواه أبو داود وابن ماجة عن عثمان بن أبي العاص (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كان طاغوتهم) وفي إسناده محمد بن عبد الله بن عياض قال الذهبي عنه في الميزان: (لا يعرف) ، ولعل مثل هذا ما عرف عن بعض قادة المسلمين من تحويلهم بعض كنائس أهل الكتاب إلى مساجد لأهل الإسلام ..