الصفحة 28 من 152

البيت الحرام أو نحوه من المساجد ذات الأفضلية والخصوصية، فللموحد أن يصلي فيها وإن وُجد فيها ما وجد من الشرك والأوثان إن اجتنب أوقات عيدهم أو ذكر طواغيتهم وتعظيمها ومدحها، أواستهزائهم بدين الله وطعنهم في أوليائه وأنصاره كما سيأتي بيانه ..

أما عند وجود سلطان الإسلام عليها، فلا يحل إقرار تلك التصاوير والأوثان، ولذلك لم يدخل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة عام الفتح حتى غيرت تلك التصاوير التي كانت فيها ... [1]

تنبيه:

هذا وقد عد العلماء من الأمور التي قد تطرأ على الأرض أو المسجد أو المكان الذي يُصلى فيه فتخرجه عن الأصل الذي تقرر من قبل .. أن تكون الأرض مغصوبة .. أو المكان مبنيًا بمال مغصوب أو طوب مغصوب أو خشب مغصوب [2] أو نحوه؛ من معصوم مسلمًا كان أو ذميا أو مستأمنًا أو نحوه .. لأن اللبث فيها من غير إنكار ولا إكراه أو اضطرار حرام فإن فيه إقرارا للغصب وسكوتا عن منكر ملابس له من غير ضرورة، ولذا حرم العلماء الصلاة فيه، وزعم بعض العلماء الإجماع على ذلك .. [3]

بل ذهب الإمام أحمد في أصح الروايات عنه إلى أنها باطلة لعدم انفكاك جهة الأمر عن جهة النهي، والجمهور على أنه لو صلى في أرض مغصوبة فصلاته صحيحة مع الإثم، لانفكاك جهة الأمر عن جهة النهي فهو آثم بمعصيته، مطيع بصلاته، كالمصلي في ثوب من حرير ..

(1) كما في البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما وانظر الفتح (8/ 16) .

(2) روى الذهبي في السير عن ابن مهدي حدثنا خُشَينة عن عمه الحكم بن الأعرج قال: جلب رجل خشبًا، فطلبه زياد، فأبى أن يبيعه، فغصبه إياه، وبنى صُفّه مسجد البصرة. قال: فلم يُصلّ أبو بكرة فيها حتى قُلعت) جـ3ص7.

(3) وذكروا من جنس المكان المغصوب المقاصير التي تبنى في المساجد للملوك والسلاطين ونحوهم وتقصر الصلاة فيها عليهم وعلى حاشيتهم، إذ المقرر أن الأماكن في المساجد لمن سبق ولا يحل لأحد أن يتحجّر مكانًا بعينه في المسجد، وقد نصّ على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (22/ 189 - 196، 190) وانظر كتابنا (تحذير الساجد من بدعة حجز المكان في المساجد) والكلام على صلاة الملوك وصحتها أو بطلانها في تلك المقاصير وذكر الخلاف أعلاه في النهي، ومتى يقتضي الفساد؛ إنما يستساغ إذا كانوا مسلمين موحدين. أما طغاة زماننا الذين جعلوا من أنفسهم أربابًا مشرعين بجعل السلطة التشريعية حقًا من حقوقهم وحقًا من حقوق برلماناتهم ونحوها، وتولوا المشركين على تنوعهم وظاهروهم على الموحدين الذين يسمونهم بالإرهابيين، و غير ذلك من كفرياتهم؛ فهؤلاء لا حظّ لهم في مثل هذا الخلاف؛ لأن بطلان صلاتهم إن صلوا وعدم قبولها هو من المعلوم ضرورة من دين المسلمين .. قال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ... ) وقال تعالى (مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ .. ) وانظر كتابنا (إمتاع النظر في كشف شبهات مرجئة العصر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت