الصفحة 26 من 152

شبهات والجواب عليها

1 -وقبل أن نغادر هذا الموضع نرد على شبهة قد يتعلل بها المخالف فيقول: قد قررتم فيما مضى أن المسجد يكون ضرارًا وتحرم الصلاة فيه إذا ما اتصف بصفات مسجد الضرار ومن الصفات التي ذكرتموها كون مؤسسيه كفارًا .. ثم أوردتم أقاويل أهل العلم في إباحة الصلاة في البيعة أو الكنيسة ما لم تكن مبنية على قبر أو فيها تماثيل أو تصاوير وأقررتم تلك الأقاويل، فلماذا لم يشمل ما قررتموه في مسجد الضرار الكنيسة مع أن مؤسسيها كفار أيضا، ومسمى المسجد اللغوي قد شملها كما قد أشرتم إليه عند حديث أم سلمة المتقدم .. فنقول وبالله تعالى التوفيق:

إن ما قررناه سابقًا لم نقرره من تلقاء أنفسنا ولا من محض اختيارنا، فليس لأحد أن يسمي أو يصف أو يختار في دين الله ما يشاء من تلقاء نفسه دون وحي من الله، قال تعالى (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) وإنما هو أمر الله أنزله إلينا وليس لنا عند أمر الله إلا أن نقول سمعنا وأطعنا.

فمولانا تباركت أسماؤه قد وصف لنا في كتابه صفات مسجد الضرار ففهمنا من كلام ربنا ومن سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، أنه كان مسجدًا مما يتخذه أهل الإسلام للصلاة، وليس مما يتخذه أهل الكتاب ولا غيرهم، فالمراد حقيقته الشرعية لا مسماه اللغوي العام ..

ووجدنا في ديننا أنه يُقرّ ما كان مبنيًا من كنائس أهل الذمة وبيعهم ولم يأمر بهدمها [1] بينما لم يقر مسجد الضرار وأمر بهدمه .. وكذلك أقر أهل الكتاب في العيش في دار الإسلام وأخذ منهم الجزية، بينما لم يقر الكفار الطاعنين في دين الله الساعين في حرب المؤمنين والإرصاد لهم، ولا قبل منهم الجزية خصوصًا بعد نزول آية السيف وأمره تعالى بعد غزوة تبوك بقتال الكفار والمنافقين والإغلاظ عليهم ..

ووجدنا مولانا تباركت أسماؤه قد تفضل وامتن علينا من بين سائر الأمم أن جعل لنا الأرض كلها مسجدًا وطهورًا فحمدناه جل ذكره وشكرناه.

ثم وجدناه [2] سبحانه فد استثنى في كتابه أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم من ذلك مواضع، منها المقبرة ونحوها ومنها مسجد الضرار، فقلنا سمعًا وطاعة لكتاب الله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ..

ثم نظرنا في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فما وجدناه سبحانه استثنى بيع أهل الكتاب ولا كنائسهم التي يتخذونها لأهل دينهم مع شركهم البين الذي لا يلتبس على أهل

(1) على تفصيل معروف عند أهل العلم بين أرض الصلح وأرض العنوة أنظر على سبيل المثال مختصر فتاوى ابن تيمية ص511 للبعلي.

(2) واضح أنني حين كتبت هذا كنت متأثرا ببعض أساليب ابن حزم رحمه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت