الصفحة 24 من 152

الخلاصة:

إذا تقرر هذا، فالأصل أن للموحد أن يصلي أينما أدركته الصلاة .. دونما تردد أو تشكك في المكان، هل بناه كافر أو مشرك أو منافق؟ أو هل كان فيه قبر أو وثن أو نحوه .. ؟ لأن الأصل المتقرر باليقين (وهو هنا أن الأرض كلها جعلت لنا مسجدا وطهورا) لا يزول بمجرد الشك .. فلا تكفي الشكوك والتخرصات لمنع الصلاة في المسجد حتى يتيقن أنه مسجد ضرار .. وذلك لأن الأصل اليقيني الذي تقرر في ديننا أن الأرض كلها مسجد لنا، ولا يخرج ويخص من ذلك الأصل اليقيني إلا ما ثبت باليقين أنه مما نهي عن الصلاة فيه ..

وهذه قاعدة من قواعد ديننا العظيم التي تضافرت عليها الدلائل والتي يعبر عنها الفقهاء بقولهم (اليقين لا يزول بالشك .. بل لا يزال اليقين إلا بيقين مثله) .. - فإن تيقن أن المسجد مسجد ضرار لكونه قد جمع صفات مسجد الضرار حرمت الصلاة فيه ..

أما لو شك، فلا قيمة لهذا الشك لأن الأصل مقدم عليه ..

*وكذلك لو تيقن أن المسجد ضرار ولكن بعدما صلى فيه .. فلا يعيد الصلاة لأن القول بالإعادة لا يثبت إلا بدليل .. ولا دليل هنا عليه .. بل قد دل الدليل على خلافه .. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحدا ممن صلوا في مسجد الضرار الأول بإعادة الصلاة .. ولو أمرهم لنقل لنا .. ولو وجبت الإعادة عليهم لما أخر النبي صلى الله عليه وسلم بيانها والأمر بها عن وقت الحاجة إليه .. سواء للذين أظهروا الندم على فعلتهم منهم أو غيرهم ممن غرر بهم كمجمع بن جارية .. [1]

وكذا من صلى في مسجد أو كنيسة ثم تبين له أن فيها قبورًا أو تصاوير فكذلك لا دليل على القول بالإعادة أو بطلان الصلاة .. والأصل براءة الذمة والإجزاء، ومن قال بعدم الإجزاء أو بالبطلان فهو المطالب بالدليل .. والله تعالى أعلم ..

(1) قال بن حجر في الإصابة (6/ 46) : (كان مجمع بن جارية بن العطاف حدثا قد جمع القرآن وكان أبوه جارية ممن اتخذ مسجد الضرار وكان مجمع يصلي بهم فيه، ثم إنه احرق، فلما كان زمن عمر بن الخطاب كُلّم في مجمع أن يؤم قومه؛ فقال: لا، أوليس بإمام المنافقين في مسجد الضرار فقال: والله الذي لا إله إلا هو ما علمت بشيء من أمرهم. فزعموا أن عمر أذن له أن يصلى بهم) اهـ

وجاء في الطبقات الكبرى لابن سعد: (قال محمد بن عمر كان سعد بن عبيد القارئ من بني عمرو بن عوف إمام مسجد بني عمرو بن عوف فلما قتل بالقادسية اختصم بنو عمرو بن عوف في الإمامة الى عمر بن الخطاب؛ وأجمعوا أن يقدموا مجمع بن جارية؛ وكان يطعن على مجمع ويغمض عليه لأنه إمام مسجد الضرار فأبى عمر أن يقدمه، ثم دعاه بعد ذلك فقال يا مجمع عهدي بك والناس يقولون ما يقولون! فقال: يا أمير المؤمنين كنت شابا وكانت القالة لي سريعة، فأما اليوم فقد أبصرت ما أنا فيه وعرفت الأشياء. فسأل عنه عمر، فقالوا: ما نعلم إلا خيرا ولقد جمع القران وما بقي عليه إلا سور يسيرة، فقدمه عمر فصيّره إمامهم في مسجد بني عمرو بن عوف) اهـ. وفي هذا أيضا فائدة أن من كان في السابق إماما لمسجد الضرار تقبل منه توبته الظاهرة إن ترك ذلك، ويجوز أن يقدم للإمامة إن حسنت توبته وعرفت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت