الصفحة 23 من 152

روى البخاري عن أم سلمة أنها ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها مارية، فذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا [1] وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله"..

قلت: وفيه إطلاق اسم المسجد على الكنيسة لكونها مكان يعبد فيه ويسجد، وأن الصلاة على القبور من فعل شرار الخلق عند الله .. ومنه تعلم أن من كره الصلاة في الكنيسة فلأجل مظنة مثل هذا أو للتصاوير كما تقدم ..

قال الشوكاني: (ولعل وجه الكراهية -أي الصلاة في الكنائس- هو ما تقدم من اتخاذ قبور أنبيائهم وصلحائهم مساجد، لأنه يصير جميع البيع والكنائس مظنه لذلك) أهـ فالصلاة على القبر محرمة [2] سواء كان هذا في مسجد أو كنيسة للنصوص الصريحة في لعن فاعلها والنهي عنه .. كما في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"والنبي صلى الله عليه وسلم لا يلعن إلا على محرم من الكبائر أو على مكفر من المكفرات.

وفيهما أيضًا عن ابن عمر مرفوعًا: (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا) فقوله: (لا تتخذوها قبورًا) دليل على أن القبور ليست محل صلاة .. والأحاديث في هذا الباب كثيرة وصحيحة لا مطعن فيها، وهي تدل دلالة ظاهرة على تحريم الصلاة في المقبرة .. [3]

فعلم من هذا كله أن المسجد أو البيعة أو الكنيسة أو أي بقعة في الأرض مبنية أو غير مبنية؛ الأصل اليقيني فيها أنها مما تفضّل الله به على هذه الأمة حين جعل لها الأرض مسجدًا وطهورًا .. وأنه قد يطرأ عليها طارئ أو مانع نص الله تعالى أو نص رسوله صلى الله عليه وسلم عليه، فتخرج من هذا الأصل ..

(1) تأمل تسمية النبي صلى الله عليه وسلم للمسجد المبني على القبر (مسجدا) دون أي حرج، ثم ينكر علينا البعض تسميتنا لمساجد الشيعة مساجد.

(2) يستثنى من ذلك صلاة الجنازة إذ هي دعاء للميت لا ركوع فيها ولا سجود، والدليل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على المرأة السوداء بالمقبرة، وهو مروي في الصحيحين من حديث أبي هريرة.

(3) اعلم أن بعض كفار زماننا شر وأطغى وأسفه من الكفار الأقدمين، فأولئك اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد كما في الأحاديث المتقدمة، وأيضًا في رواية الموطأ: (( اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) )ومع هذا غضب الله عز وجل عليهم ولعنهم النبي صلى الله عليه وسلم .. أما بعض الكفار المعاصرين فقد اتخذوا قبور طواغيتهم وشرارهم وفجارهم مساجد، كمن يدفنون جيف كفرة الحكام في مساجد تزخرف وتسمى بأسمائهم تعظيما لهم وتكريما .. ثم يحرصون على الصلاة فيها، فلعنة الله على الظالمين ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت