وهكذا، فما زالت مساجد المسلمين هي هي .. لم يتغير اسمها ولا حكمها؛ حتى عند تحول دور الإسلام إلى دور كفر باستيلاء الكفار على زمام الحكم فيها أو بارتداد حكامها .. وما سمعنا من عالم ولا جاهل من المتقدمين القول بأن المساجد قد تحولت إلى مساجد ضرار يوم أن استولى التتار على ممالك الإسلام وحكموها بياسقهم، ولا سمعنا بمثله في زمن العبيديين ولا القرامطة ولا غيرهم .. وهذا الكلام كله كما قلنا من قبل؛ إنما هو في المساجد لا في أئمتها ..
جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا:
* ومن الأدلة التي تشهد لما تقدم أيضًا وتؤيده، عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جابر المتفق عليه: (أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي؛ نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل .. الحديث)
قال العلماء: كل موضع صلي فيه يطلق عليه اسم مسجد؛ لأن المسجد في اللغة مكان السجود. قلت: فهذا نص عام فيه جواز الصلاة في كل مسجد، ولا يخص من ذلك ولا يستثنى إلا ما استثناه الشرع؛ كمسجد الضرار الذي يؤسسه الكفار بصفاته المتقدمة، والمقبرة، والمزبلة ومبارك الإبل، ونحوه مما جاءت النصوص الصحيحة تنهى عن الصلاة فيه ..
* وأخرج البخاري عن أنس في خبر مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وقصة بنائه المسجد، حيث قال في صفته: (وكان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم ... ) . فهذا عام أيضا ..
* ومثل ذلك أيضا ما رواه البخاري ومسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: (أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام، قال: قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة. ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصلّه، فإن الفضل فيه) .
فهو أيضًا نص عام على جواز الصلاة في أي مكان تدرك المرءَ فيه الصلاة، وأنه ليس لبقعة من الأرض أفضلية على الأخرى إلا ما ذكره الله تعالى في مسجد أسس على التقوى من أول يوم، أو خصه رسوله صلى الله عليه وسلم في فضيلة المساجد الثلاثة .. والفضل بعد ذلك إنما هو في أداء الصلاة لوقتها في أي مكان من الأرض، ولا يستثنى من ذلك إلا ما استثنته نصوص الكتاب والسنة، ولا نضيّق ما وسّعه الله علينا، أو نتعدى ونوسع حدوده التي حدها من تلقاء أنفسنا بمحض الهوى أو من غير دليل فما هذا من شأن العبيد ولا هو لهم، وإنما شأنهم إن وُفّقوا أن يقولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ..
قال الحافظ في الفتح (6/ 409) : (فإن الفضل فيه) - أي في فعل الصلاة إذا حضر وقتها ـ زاد من وجه آخر عن الأعمش في آخره (والأرض لك مسجد) أي للصلاة فيه، وفي جامع سفيان