الصفحة 20 من 152

نعم يستحب تغيير بنيانهم، وقد يتأكد استحبابه عند الاستطاعة، كما فعل ابن الزبير في ولايته [1] .. ولكنه أولا و آخرًا غير مؤثر في التوحيد والولاء و البراء والصلاة ما دام الأئمة فيه مسلمين موحدين .. ولذا بوب البخاري لحديث عائشة في كتاب العلم (1/ 224) بقوله: (من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه) وقال ابن حجر في الفتح (3/ 448) : (المراد بالاختيار في عبارته المستحب) قال: (وفيه تأليف قلوب الناس بما لا يترك فيه أمر واجب، وفيه تقديم الأهم فالأهم من دفع المفسدة وجلب المصلحة، وأنهما إذا تعارضا بدئ بدفع المفسدة، وأن المفسدة إذا أمن وقوعها عاد استحباب عمل المصلحة) أهـ.

* وكذلك المسجد الأقصى فقد بناه سليمان [2] بن داود عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام وكان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم تحت ولاية الروم وحكم طواغيتهم، ومع هذا فقد جاء الخبر بأنه صلى فيه ليلة الإسراء كما في رواية الإمام أحمد ومسلم عن أنس بن مالك في قصة الإسراء: (حتى أتيت بيت المقدس فربطت الدابة بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت فصليت فيه ركعتين .. ) [3] وما منعه من الصلاة فيه كونه تحت حكم هرقل قيصر الروم .. كما صحت الأخبار عنه صلى الله عليه وسلم في مدح الصلاة فيه ومقدار أجرها، وذكر خصوصيته مع المسجد الحرام ومسجده صلى الله عليه وسلم في شد الرحال [4] كل ذلك كان منه صلوات الله عليه، والمسجد يومئذ تحت ولاية قياصرة الروم ..

واليوم أيضًا لا يخالف عاقل بجواز الصلاة في المسجد الأقصى، وهو تحت ولاية وحكم وسلطان اليهود، وجميع المسلمين عربهم وعجمهم علمائهم وجهالهم لا يخالفون أيضًا بجواز الصلاة في الحرمين مكة والمدينة في جميع الأزمنة التي استولى فيها أهل الكفر على بلاد الإسلام إلى زماننا هذا، وها نحن نصلي فيه مع اعتقادنا بكفر الدولة السعودية التي تسلطت على رقاب المسلمين وعلى أوقافهم ردحًا من الزمان، ولا زال المسجد حتى يومنا هذا تحت ولايتها وحكمها الجبري وقد قامت بزيادات وتوسعات عديدة فيه .. وهذا في الحقيقة لا أثر له ما دام أصل البنيان قد أسس على التقوى ..

(1) انظر الفتح جـ3 ص445 وما بعدها.

(2) روى النسائي من حديث عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن سليمان بن داود عليه السلام لما بنى بيت المقدس سأل الله عز وجل خلالًا ثلاث، - فذكر اثنتين - ثم قال: وسأل الله عز وجل حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه أن يخرج من خطيئته كيوم ولدته أمه) وقد صحح إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح (6/ 408) وأفاض هناك في الكلام حول مسألة: هل بنى المسجد الحرام والأقصى قبل إبراهيم وداود وسليمان عليهم السلام أحد من أولياء الله أم هم المؤسسون، فليراجعه من شاء، وهو لا يؤثر بما قررناه ها هنا، أيًا كان المؤسسون ما داموا من أولياء الله ..

(3) وانظر تفسير ابن كثير عند قوله تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ... ) فقد حشد روايات حديث الإسراء وفيه إنكار حذيفة لصلاة النبي فيه، ورد الحافظ لذلك وترجيحه ما أثبته غيره من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ..

(4) حديث (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) مروي في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت