قريش ولم يهدمه صلى الله عليه وسلم كما هدم مسجد الضرار .. نعم قد كان يحب ذلك ويرغب فيه، كما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (يا عائشة لولا أنّ قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا فبلغتُ به أساس إبراهيم) وفي رواية في البخاري أيضًا أنها سألته: فما شأن بابه مرتفعًا؟ قال: فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا .. الحديث) وزاد مسلم (فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها يدعونه يرتقي حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط) .
ولم تكن رغبته صلى الله عليه وسلم بهدمه وإعادة بنائه التي أخبر بها عائشة رضي الله عنها، لم يكن ذلك لأن بناء وتجديد الكفار له كان مؤثرًا في الصلاة فيه كراهة أو تحريما أو إبطالا؛ كلا، كيف وهو لا زال يصلي فيه من قبل ذلك وبعده مختارا، في الاستضعاف وفي غيره إلى حجة الوداع التي توفي بعدها صلى الله عليه وسلم.
وإنما كان السبب من وراء ذلك؛ جعله كاملًا على قواعد إبراهيم عليه السلام وفتح بابين له أيضًا، كما هو ظاهر في حديث عائشة رضي الله عنها، وقد بين صلى الله عليه وسلم في رواية أخرى للبخاري أيضا، أن قريشًا قصرت بهم النفقة عن إتمام البيت على قواعد إبراهيم، ولذلك قصروه من جهة الحجر ولم يكملوه إذ الحجر منه.
وهذه مصلحة من المصالح، أعني بناء البيت كاملا على قواعد إبراهيم؛ ولكنها لما كانت غير مؤثرة في التوحيد أو العقيدة أو الصلاة؛ كانت مصلحة الحرص على عدم تضرر حدثاء الإسلام المتوقعة بهدم البيت الحرام، ودرؤها أعظم .. ولذلك قدمها النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان تجديد الكفار للبيت وبناؤه مؤثرًا في التوحيد وتجريده لله والبراءة من الشرك وتنديده، لما قدّم عليه صلى الله عليه وسلم تلك المصلحة .. كما قد فعل في مسجد الضرار لما أُسس كفرًا وتلبيسًا، فإنه لم يعتبر فيه مصلحة التأليف ولا عوّل على مفسدة التفرق ولا منعه من ذلك حداثة إيمان بعض الناس، ولا ذكرها هناك، مع أن ظاهر عمله فيه أشد عند كثير من الناس، فهو إتلاف وهدم مجرد لمسجد يحلف أهله إن أرادوا في بنائه إلا الحسنى، أما في شأن الكعبة فهو هدم وبناء (أي: إصلاح وتجديد) وليس هدمًا مجردًا، ومع هذا لم يعتبر النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا من هذا ولا حسب حسابه عندما هدم مسجد الضرار؛ لأن المفسدة فيه أعظم فهو مسجد من تأسيس الكفرة المشركين والمنافقين الحاقدين، وفي الإبقاء عليه والقيام فيه لبس للحق مع الباطل وإضرار بالمؤمنين وتوحيدهم وإضرار بعقيدة الولاء والبراء وأوثق عرى الإيمان عندهم، وإسباغ للصبغة الشرعية على أعمال الكفرة والمنافقين، وفيه شق لصف المسلمين، وكفى بذلك إثمًا مبينًا وباطلًا عظيمًا وتلبيسًا شنيعًا، فالفارق بين المسجدين واضح بيّن عظيم، إذ ها هنا مسجد أسس على التقوى من أول يوم والذي قام بتأسيسه ورفع قواعده هو إمام الحنفاء وابنه فعلا ذلك مسلمان لله ومخبتان داعيان الله أن يتقبل منهما (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) .. فأنى يؤثر في مثل هذا العمل العظيم بعد ذلك تسلط الكفرة عليه أو تمسّحهم به أو توسيعهم وتجديدهم له ..