وهذا القسم من المساجد إن تجبّر الطاغوت وصادره أو أدخله تحت ولاية حكومته الكافرة قهرًا، كما قد حصل في مصر والجزائر وغيرها، فإنه يلتحق بالنوع الذي قبله من المساجد، أعني به ما أسس على التقوى من أول يوم ثم أمسى تحت ولاية الطاغوت الجبرية، فالقول فيه عندئذ كالقول في المسجد الحرام والمسجد النبوي وقباء والأقصى ونحوها من المساجد التي أسسها موحدون ثم أدخلتها هذه الحكومات تحت ولاية أوقافها الجبرية.
* فالمسجد الحرام أسسه على التقوى من أول يوم ورفع قواعده إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل وأنعم بهما من مؤسسين، قال تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ... الآيات) وتأمل إخباتهما ودعاءهما وسؤالهما الله قبول هذا التأسيس، مع أن الله هو الذي أمرهما بذلك، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على تعظيمهما لأمر القبول؛ الذي يتطلّب شروطا غير الاستجابة للآمر بفعل المأمور؛ من أعظمها الإخلاص والتقوى (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) .
وقد جاء عليه زمان جدّده وبناه فيه كفار قريش كما هو معروف مشهور، ولبث تحت ولايتهم وسدانتهم مدة ليست باليسيرة، ولاشك أنهم كانوا يراؤون الناس ويفاخرونهم بسدانة بيت الله ويزعمون أنهم أهله، فيصدون عنه من شاؤوا ويمنعون ويرخّصون ويتحكّمون بالبيت كيفما شاؤوا، ويدّعون أنهم أولياءه، قال تعالى: (وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) الأنفال34، ولذلك كانوا قد جعلوا له بابًا عاليًا ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا .. بل قد نصبوا حوله الأنصاب والأزلام والأوثان، وما كان هذا كله ليمنع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة عنده في عهد الاستضعاف؛ بل قد صلى فيه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك وهو عزيز ذو قوة آمن لا يخاف بنص كلام الله تعالى في سورة الفتح: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ) وكان هذا في عمرة القضاء في ذي القعدة من سنة سبع، كما تعاهد مع كفار قريش بعد رجوعه من الحديبية في ذي القعدة من العام الذي قبله، وكان المسجد في عمرته هذه لا يزال تحت ولاية الكفار تحيط به أوثانهم وطواغيتهم؛ فقام وصلى وطاف واعتمر فيه صلوات الله وسلامه عليه هو وأصحابه، ولم يمنعه من ذلك كونه تحت ولاية الكفار أو كونهم قد جدّدوا بناءه أو رمّموه، بل إنه صلوات الله وسلامه عليه أبقى بناءه كما هو على حاله بعد الفتح .. وصلى به بعد ذلك ولم يزل يصلي به هو وأصحابه وهو على بنائه الذي بنته