الصفحة 14 من 152

ـ وزعم آخرون أنه إن صلى فيه منافق أو كافر لا تحل الصلاة فيه، وأعرف أحدهم وهو ممن يكفر الناس بالعموم، طلب منه أهل مسجد من العوام في قرية نائية أن يؤمهم في الصلاة، فرفض بدعوى أنه إن أمهم أقر الكفار على كفرهم ..

وهذه شروط ما أنزل الله بها من سلطان والاشتراط يحتاج إلى دليل يسنده؛ وليس أي دليل؛ بل دليل يفيد الشرطية وفقا لتعريف الشرط عند المحققين، وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط .. ومعلوم أنه قد كان يحضر الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من المنافقين وربما كان بعضهم يعبد الأصنام في بيوتهم خفية منه .. وما ضر ذلك مسجده شيئًا بل لم يزل رغم ذلك مؤسسًا على التقوى، ولا امتنع عن الإمامة أو تحرّج منها كونهم يأتمون به أويصلون خلفه .. وهو صلى الله عليه وسلم أغيرنا على دين الله، وهو القائل (من رغب عن سنتي فليس مني)

بل في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله الحديث. . . . إلى قوله:(وحسابهم على الله) يعني فيما أخفوه وأبطنوه ..

وهو صلى الله عليه وسلم أورعنا وأتقانا لله، فقد روى البخاري في صحيحه: عن عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت: (صَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا تَرَخَّصَ فِيهِ وَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنْ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ فَوَاللَّهِ إِنِّي أَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً)

ولقد نبتت عندنا نابتة يبتدعون مثل هذه الشروط التي ما أنزل الله بها من سلطان حتى إن بعضهم بعد أن هجر عموم المساجد لو عرض عليه إمامة مسجد لرفض بحجة أنه لا يجوز له أن يؤم كفار .. وأن في ذلك إقرار لهم على كفرهم!! إلى غير ذلك من الأفهام الفاسدة، وما هي إلا مبررات للصلاة في البيوت وترك صلاة الجماعة واعتزال المسلمين .. والنظر إلى عامتهم وعصاتهم من علٍ لا يرحمهم ولا يحكم لهم بالإسلام حتى يمنحهم ختمه الذي لا يعطيه إلا لمن وافقه على معتقده بحذافيره فلا حول ولا قوة إلا بالله ..

ولا يسعف هؤلاء المتنطعين استدلال من يستدل منهم بقوله تعالى: (لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا) وحمله على شروطهم الفاسدة التي ينقّبون بها عن قلوب الناس .. فإن التطهر المذكور فسر بالاستنجاء بالماء، وإن أريد به التوحيد والتطهر من الشرك، فإن التعويل في أحكام الدنيا وشروطها إنما هو على الظاهر من ذلك، ولا دخل لذلك بما خفي في القلوب، ولذلك فسر ابن كثير التقوى هنا بعبادة الله وحده لا شريك له، فقال في الآية: (دليل على استحباب الصلاة في المساجد القديمة المؤسسة من أول بنائها على عبادة الله وحده لا شريك له، وعلى استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحين والعباد العاملين ... ) أهـ. وعليه فمن حمل هذا على الشرطية فلا ينبغي له حمله على التقوى القلبية إذ كيف نميز ذلك في مؤسسي المسجد .. وإنما هو كما ذكر الحافظ التوحيد الظاهر والإسلام البيّن في مؤسسيه، فتلك هي العبرة في أحكام الدنيا وإليها الاستناد وعليها الاعتماد؛ أما التقوى القلبية وصدق الإيمان وقوته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت