تقم فيه أبدًا). قال ابن كثير: (نهي له صلى الله عليه وسلم والأمة تبع له في ذلك عن أن يقوم فيه أي يصلي أبدًا) أهـ. قلت: بل لفظ القيام أعم من الصلاة حيث يشمل إضافة إلى الصلوات الخمس الخطابة كما في قوله تعالى: (وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) .. والأذان لأن الأصل في هيئته الشرعية القيام إلا من عذر، وكذا صلاة الجنازة فإنها قيام، فكل ذلك وغيره مما قد يشمله لفظ القيام؛ داخل في النهي ..
ولذلك قال القرطبي في تفسيره: (وقد رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية كان لا يمرّ بالطريق التي فيها المسجد، وأمر بموضعه أن يُتخذ كُناسة تلقى فيها الجيف والأقذار والقُمامات.) اهـ.
ثم بيّن سبحانه وتعالى المسجد الأحق بالقيام والصلاة، وأن أهم صفة فيه أنه يؤسسه الموحدون على التقوى من أول يوم فهذه هي الصفة الهامة والمعتبرة فيه، كما وأن الصفة البارزة في مسجد الضرار كون مؤسسيه كفرة مشركين أو منافقين .. ولا يضر بعد ذلك إن كان المسجد كبيرًا أو صغيرًا [1] قديمًا أو حديثًا ما دام قد أسس على التقوى من أول يوم .. قال تعالى (لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ، أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ ... الآية) .
قال الرازي: (فإن قيل: لم قال: أحق أن تقوم فيه، مع أنه لا يجوز قيامه في الآخر؟ قلنا: المعنى أنه لو كان ذلك جائزا لكان هذا أولى، للسبب المذكور) اهـ. من التفسير الكبير.
* فاستجاب النبي صلى الله عليه وسلم لأمر ربه تعالى فما صلى ولا قام فيه لحظة واحدة .. بل عمد إلى هدمه وحرقه، وجعله محلًا للكناسة والزبالة ..
وهكذا ينبغي أن يُصنع بمساجد الطاغوت ومؤسساته الخبيثة التي تؤسس على غرار مسجد الضرار، وتجمع صفاته؛ إذا ما مكِّن للموحّدين وكانت لهم دولة ..
قال ابن القيم في زاد المعاد (3/ 571) فيما تضمنته غزوة تبوك من الفوائد: (ومنها: تحريق أمكنة المعصية التي يُعصى الله ورسوله فيها وهدمها، كما حرّق رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد الضرار، وأمر بهدمه، وهو مسجد يُصلى فيه ويذكر اسم الله فيه، لما كان بناؤه ضرارًا وتفريقًا بين المؤمنين، ومأوى للمنافقين، وكل مكان هذا شأنه فواجب على الإمام تعطيله، إما بهدم
(1) وفي الحديث: (من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة لبيضها(وفي رواية: أو أصغر) بنى الله له بيتًا في الجنة) رواه الإمام أحمد وابن ماجة والنسائي عن غير واحد من الصحابة، والقطاة: طائر معروف، ومفحصه، مقعده الذي يبيض فيه .. قلت: وهذا الثواب العظيم إنما هو للموحد الذي يبنيه لله، لا للمشرك الذي يبنيه للطاغوت، أو من يبنيه للسمعة والرياء والأهواء، فهذا ليس له من ذلك حبة خردل ولو كان مسجده الذي بناه كمفحص ديناصور، وقد جاء هذا الشرط مبينًا في الحديث المتفق عليه عن عثمان مرفوعا: (من بنى لله مسجدًا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة) .