ولا ينبغي أن يغيب عنَّا، أنَّ الصَّحابة رضوان الله عليهم جميعًا، هم طليعةُ السَّلف، وأبصرُهم بالسُّنَّة ومواقعها، فِقْهًا واستدلالًا، وأعرفُهم بكتاب الله سبحانه، ومواقع آياته، فقهًا، واهتداءً، وأعلمهم بالعربيَّة، لفظًا، ومعنىً، وأداءً، لذلك لم يكونوا بحاجةٍ إلى سفسطات علماءِ الكلام، ولا إلى جَدَل النُّظَّار والمناطقة، ولا إلى تلبيسات الفلاسفة وشِقْشِقات ألسنتهم.
ومن هنا، سَلِمت لهم أصولُ العقيدة، واستبانت في عقولهم معالمُ الشريعة، وكانت الفضائلُ النَّفسية، والآداب الخُلُقيَّة، تجري عليهم جريانَ الماءِ الرَّقراق في الجداول النَّقيَّة الصَّافية.
وظلَّ منهج الصَّحابة رضي الله عنهم، ظاهرًا ظهور الشمس في رابعة النَّهار، لكلِّ الأجيال والقرون الآتية من بعدهم، فكان لها جميعًا حظٌّ وافرٌ منه، لا عَن اختيار من هذا القرون، بل عَن حاجةٍ وضرورةٍ فقد تكفَّل الله سبحانه لهذا المنهج بالحفظ والسَّلامة، ليكون ظهورُ الحق، وبقاؤه فيهم.
وهذا -ولا رَيب- شيءٌ من معنى قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [سورة الحجر: آية9] ، لذلك كان تحذيرُ ربِّنا سبحانه لعباده: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [سورة النساء: آية 115] ، وأمرُ نبينا صلى الله عليه وسلم لنا لزوم سنَّتهم مقرونةً بسنَّته،"عليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الرَّاشدين المَهديين من بَعدي، عَضُّوا عَليها بالنَّواجذ" (17) ، وعدُّ المخالفة عنها إحداثًا في الدِّين:"وإيَّاكم ومُحدّثاتِ الأمور، فإنَّ كلَّ مُحدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٍ" (18) .