السلفية بين الدِّين السياسي وسياسة الدِّين
العمل السياسي سلوك اجتماعي عام، كل فرد في الأمَّة يضرب فيه بسهم، ويصيب منه قدرًا يقل ويزيد، حسب قدرات الأفرادن وتفاوتها قوة وضعفًا.
ولست أعني بالعمل السياسي ذلك المعروف بنظرياته المختلفة، وأنظمته المتباينة، التي تشرد بعيدًا عن الضوابط الشرعية، ولا ترى سلطانًا للعقيدة على فروعها وأصولها التي صاغها المنظرون والمشرعون، بقدراتهم العقلية البشرية المحدودة، سواء أأدركناها، وعرفناها -إما بالدراسة والنظر، والتلقي، وإما بالممارسة والعمل ضمن أطرها- أم طوتها يد النسيان، وغابت في خوافي القرون الغابرة، وضلت في ثنيات الزمن البعيد، وظلت أسماؤها لا تدل على حقيقة موسومة برسم أو معروفة بحد.
إذ هذا في حقيقة"دين السياسة"بنفاقها، وكذبها، وتزويرها.
بل أعني ذلك السلوك الذي تقيده العقيدة بمقتضاها ولوازمها وضوابطها الذاتية الدائرة في فلكها مذ كانت، وإلى أن تعود ميراثًا إلى ربها.
وهذا في أول أمره ونهايته"سياسة الدين"ورعايتها شؤون الأمة، وضبطها أوضاعها وشؤونها وأحوالها.
وإذ ذلك كذلك، فإن السلوك السياسي، والموثوق بمقتضى العقيدة، هو جزء من التصور الديني الشامل، وعمل سلوكي تحكمه الأحكام الشرعيةن ولا ينأى عنها بكله أو ببعضه إلا حين يكون انفصام بين العقيدة والسلوك، وبين الإنسان الذي ضل السبيل وذهب يتلمس بسلوكه سبيلًا غير سبيل الهدى، يحسب نسفه به أنه على الهدى، وليس هو على مثل ما يظن؛ ذلكم أن الظن يضع الظان بين أمرين مظنونين، لذا فإنه لا بد، وأن يكون الحكم في كل أمرٍ لله سبحانه وحده؛ لأنه المشرِّع الموحي بشرعه إلى المُبَلِّغ الصادق عنه وهو نبيه صلى الله عليه وسلم.
حينئذٍ -وبمثل هذا الحكم- يكون العبد المتلقي عن المبلغ الصادق صلى الله عليه وسلم قادرًا على الحكم على كل أمرٍ يوافقه من الحكم الأتية من الله سبحانه، بدقة وصواب ووضوح.