ومن هنا؛ فإن غياب الشريع الغراء عن الحيا أحدث اضطرابًا شديدًا، واختلافًا قويًا، أخرجا الإنسان المسلم عن التصور السليم، والتقدير الصواب أو القريب من الصواب، إلا ما كان من الطائفة، التي أذهب الله عن بصيرتها الغشاوة فقد أمسكت هذه الطائفة بميزان العدل الإلهي ووزنت الأمور والأشياء به، فأصابت الحق، ونفع الله بها العباد، بما أنعم عليها من حُسن تقدير العواقب والتبصر بالنهايات.
وليس من الكيس أن يدع الإنسان الحيس بليس، بل الكيس أن يأخذ الحيس بالكيس، وأن يدع ليس!!
ومن الكيس أن يعرف أين هو من الحيس؟ أبعيد منه أم قريب؟ فإن كان قريبًا منه ذاقه أولًا؛ فإن وجده لذيذ الطعم، طيب المذاق -وهو واجد ذلك ولا بد- حرص على أن يأخذ منه شيئًا فشيئًا حتى لا يدع منه شيئًا، إما إن أقبل عليه بنهم ولم يسمع لقول من يقول له مرة: لا، ومرة: نعم، فإنه لا يبالي حينئذ أمع البشر يكون أم مع البهم.
ولقد أخلف كثير من المسلمين الظن الحسن حتى بأنفسهم حين تنادوا ممسين ومصبحين: أن أمسوا أو اغدوا على حرث السياسة إن كنتم صارمين، فانطلقوا إليه وهم يتخافتون، أن لا ينال منه أحد غيركم إن كنتم صارمين، وأدنوا إلى النار أقراصكم دون أقراص المسلمين أجمعين، ولا تدعوا لأحدٍ منهم كسرة يفيد منها إن كنتم عقلاء ناطقين.
ومُقتضى العقيدةِ يضع الإنسان المسلم في زماننا هذا -كما هو في أي زمان- أمام المنهج الذي لا يزيع بأهله -وما زاغ بهم من قبل- فما وافقه أخذ به، وما خالفه نأى بنفسه عنه، وما كان للأمَّة من وجودها الحق فوق الأرض إلا به.