وحين يضع الإنسان المسلم هذا، يعلم علم اليقين أن الاقتراب من السلوك السياسي، أو الحوم من حوله هو كعمل الفراشة يستهويها الدوران حول النار، حتى إذا كلّت ملّت إلى النار فاحترقت، لماذا هذا؟ لأن السلوك السياسي أصبح خاضعًا لتفكير القوانين والأنظمة الإدارية والحياتية للإنسان، التي نسجتها يده لتصنع له سعادة وهمية، تنطلق به في آفاق الخيال الفسيحة، حتى إذا رأى الأمور بجلاء، على باطنها وظاهرها هبط مسرعًا إلى الأرض واقعًا، فإذا هو أمام ذاته الهزيلة المجهدة!
والسَّلفيَّة ما كانت يومًا خيالية التصور، ولا مثالية التفكير، فهي تنظر إلى الواقع بما فيه؛ فتحذر الشر وتبعد منه، وتستبشر بالخير وتسعى إليه، فإن أصابها أذى، أو أدركها نصب، فلا يزيدها ذلك إلا استمساكًا بالذي هو خير، وتعدُّ ما أصابها في ذاتها تجربة في ثوب ابتلاء.
ومن هنا أيضًا فإن التجربة التي تصيب أي عضو في جسد الأمَّة ابتلاء، وهو حق على كل فرد في الأمَّة لسائر الأمَّة -يجعلنا نقول: إن العمل السياسي الذي لا يخضع لمقتضى العقيدة، ولا يلتزم بالأحكام الشرعية، يجرِّىء الأوشاب التائهة على الاستكبار على الإسلام بسبب، في حين أننا قد نجد- من بعض من يقوم على رعاية الأمَّة بالسلوك السياسي الرافض لمقتضى العقيدة والأحكام الشرعية- من لا يعادي الإسلام، ولا يستكبر على شرائعه وأحكامه، فهم يرون بعين المصلحة السياسية أن عداوة الدين لا تفيدهم في سلوكهم السياسي؛ فلا أقل إذًا من أن لا يكونوا له أعداءً، يمنون أنفسهم يومًا أن يكونوا له أولياءً، ويعلمون من التاريخ أن العدل ولو من غير دين يمد في عمر الدول والممالك، وأن الظلم -ولو مع الدين- يعجل في عمر الدول والممالك، فالعاقل من لا يجمع بين هجر الدين في ملكه وبين الظلم في الرعية، والجاهل من يجمع بين هجر الدين وبين الظلم في الرعية.