وحين يكون السلوك السياسي في بلد المسلمين محاكاة له في غير بلاده، لا يُكسب القائمين عليه قوة إلى قوة، ولا منعة إلى منعة -ولو خُيِّل إليهم ذلك- بما يمدون به من مالٍ وشوكة؛ بل إنه يكون من الظلم الذي يُشرع للرعية أن تظلم، فتكون عداوة ظاهرة أو مستترة بينها وبين الراعي، يزيدها ضراوة وحدَّة التربُّص الخفي الموثوق بحبال رقيقة لا تُرى إلا تحت مجاهر عيون الرصد التي لا تنام، في أقبية الأمن البعيدة.
وحين يلتقي العدل مع الدين على صعيد واحدٍ يصبح السلوك السياسي تحت ظلتها عملًا فاضلًا يرى عامله نفسه ساعيًا إليه باختياره، راغبًا في أخذه لنفسه بما يقوى عليه جهده وطاقتهن نافيًا عنها المذمة التي كان يخشاها التقاة المحسنون من مخالطة السلوك السياسي قديمًا.
وقد انحسر في زماننا هذا السلوك السياسي الإسلامي الذي كان مستظلًا بظله الدين والعدل في الحقب الماضية، نأى عن مجتمعات المسلمين بعيدًا، موثرًا الترقب والانتظار إلى أن تعود تلك الظلة إلى مجتمعات المسلمين مرة أخرى، ويأوي إليها المسلمون مرة أخرى، ويمسكوا بطرف حبل العزة التي كانت لهم يومًا من الدهر.