ولما أن وفدت ظنون القوانين والأنظمة الكافرة إلى بلاد المسلمين، وغيب فيها المسلمون سلوكهم العام، وأرادها تلامذة الحضارات الخاوية الهابطة على تحطيم القيم والأخلاق الباقية للأمَّة، بعد أن زحزحوا بها الأثارة الصغيرة من الحدود، والأحكام التي كانت تحكم السلوك العام للمجتمع وتضبط مسيرته الحياتية، واستجاب لها المسلمون بالخواء الفكري، والترهل الجسدي، والترف المعيشي، وأضحوا من الفناء على غلوة سهم، استيقظت في صدور بعض منهم جذوة فكرية كانت خامدة بفعل الإلف الطويل، وصاروا ينظرون من طرف خفي إلى يوم موعود، ظنوه قريبًا، وما هو بالقريب، وحسبوه يسير المنال، ولو أنهم نظروا بعين العقل والبصيرة، لعلموا أن عقودًا -وربما قرون- ستقطعها أجيال وأجيال حتى يلاقوا هذا اليوم الموعود.
وبعد؛ فإن العمل السياسي في عالمنا العربي الإسلامي، لا يحسنه إلا من هيأ له، وصنع خصيصًا من أجله، ومن غير هؤلاء أحسن الدخول من بابه الواسع، فإنه لن يستطيع الخروج من باب النهاية الضيق، فإنَّ دخوله ربما كان من قبيل الصدفة، والصدفة لا تتكرر، وإن تكررت فبمثل ما وقعت في المرة الأولى.
وقد خيل لبعض (المارَّة) ! من المسلمين الذين رأوا زخرف العمل السياسي مرة أو مرتين أنهم قادرون على الكر والفر بالعمل السياسي، فقالوا: جرَّبوا ولو (في العمر مرَّة) وجرَّبوا فعلًا، لكن كانت التجربة أكثر من مرة، وفي كل مرة لم تكن تسلم الجرَّة!! حتى إذا لم يبق من الجرة إلاَّ عرواتها، أيقنوا أنه لم يعد للتجربة مكانٌ، فقنعوا بالجلوس على الكراسي والمنصات، والإمساك بالأقلام الجميلة، وإلقاء العباءات على ظهورهم العريضة المفلطحة، وإعفاء اللحى (المُخَنْجَرةَ) !! وتصعيد المحسوبيات والشفاعات الخاصة، التي تحقق المنافع الشخصية.