الصفحة 154 من 291

وصار غيابهم كحضورهم، وحضورهم كغيابهم، وكلامهم كصمتهم، وصمتهم مثل كلامهم، وابتسامتهم كعبوسهم، وعبوسهم كابتسامتهم، وإعراضهم كإقبالهم، وإقبالهم كإعراضهم، وقيامهم كقعودهم، وقعودهم كقيامهم، وعويلهم كإمساكهم، وإمساكهم كعويلهم، وهكذا وهكذا.

وكانت دروسًا -لا درسًا واحدًا- تسرع تترى، لم يكن من أن يفيد منها من نأى بنفسه عن ذلك السلوك السياسي المسلوب الإرادة، المحمول على أجنحة الموت؛ موت الفكر السويِّ، موت الحياة الكريمة، موت المروءة الفضلى، موت الصدق، موت الوفاء، موت الورع، موت الهيبة، موت الزهد.

إن السلوك السياسي سلوك متميز -في عالمنا العربي بخاصة، والعالم الإسلامي بعامة- بصفات خاصة.

فهو غامض خفي! عروقه مملوءة حسرة وحشرجة!! إهابه ليس له لون يحب أو يكره!! يريحُ النظر أو يُتْعِبُه!! مصنوع من نفطٍ وماء!! مزاجه لا يعرف إلاَّ من أسَرَّ له به!! يبدو أحيانًا رقيق الشعور جذابًا شاعري الحاشية!! ويبدو أحيانًا غليظ الإحساس، منفرًا، ثقيل الظل، جاسي العصا!! إن أقبل فلا يدبر، وإن أدبر فلا يقبل، إن أحسن أساء، وإن أساء أحسن، إن أضحك أبكى، وإن أبكى أضحك، حُسنه مصنوع، وقبحه مطبوع، يده طويلة، وكفه مقبوضة، باعه قصيرة، وجيبه محظورة، من أطاعه منحه، ومن عصاه منعه، ذلكم أن الانفصام بين الدين وبين الدولة، صار أمرًا مقضيًا لا مرد له، ولا طاعن عليه، ولا محيد عنه.

ومن هنا فإن مخالطة السلوك السياسي على ما هو عليه الآن لا ينبغي، ولا وجه من الإباحة لزحزحته عن دائرة المحظورات الشرعية، من خالطه بوزر ومن تاب منه تاب الله عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت