وإذا أضفنا إلى ضَعف اللُّغة على ألسنة أبناءِ الأمَّة في القرون المُتأخرة، البُعدَ الزَّمني، الذي حِيلَ به بيننا، وبين شخص الرَّسول صلى الله عليه وسلم، رؤيةً، وسماعًا، ومُخالطةً، فإنَّا مدركون - لا محالة - أنه لم يبقَ أمامَنا إلاَّ الجَهدُ العَقليُّ في الوقوف على السُّنن والآثار، التي حفظتها القرون الأولى، تحفُّه إرادةٌ جادَّةٌ، وعزيمةٌ صادقةٌ، وإخلاصٌ صادقٌ، تمضي بنا إلى استظهار آي الكتاب، ونصوص السُّنَّة بأقسامها، سَبْرًا، وفهمًا، وتعلُّمًا، ليسلم لكُلِّ مُنتَسب بحق إلى المنهج العلمي السَّلفي، قَدْرٌ من سيرة أولئك الذين عاشوا في أكناف النُّبوَّة، فحُقَّ لهم - أي: لبعض منهم - أن يحصَّلوا ما لم تحصِّله القرون الآتية من بعدهم، وإن كان بعضٌ من أبناءِ القرون الآتية - من بعد القَرن الأوَّل - أصابوا من الحفظ والرواية والمعرفة والدِّراية، ما لم يُصب الكثيرون من أبناءِ القرن الأوَّل، وهذا فضلُ الله يُؤتيه من يشاءُ.
وهذا يعني بداهةً، أنَّ الذين تحقَّق لهم الأخذُ المباشر عَن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وسلامةُ اللُّغة، ما كانوا على قَدْرٍ واحدٍ من المعرفة العلميَّة، بل كان بينهم تفاوتٌ، حفظته لنا كُتُب الرِّجال والتَّراجم، كما هو الحالُ بين علماءِ كلِّ قرن.
وهذا التَّفاوت، ربَّما أظهر لنا أنَّ بعضًا من علماء القرون الآتية بعد القرن الأوَّل، أحاطوا بما لم يُحط به بعضُ علماء تلك القرون الثلاثة الأولى، وهذا لا يَعني تفضيلَ القرون الآتية من بعد القرون الأولى عليها، فقد فازَت الثَّلاثة بقصب السبَّق بشهادة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، وثنائه عليها (13) .