والتجارب المريرة التي سارت ليلًا ونهارًا، صيفًا وشتاءً، شرقًا وغربًا، طولًا وعرضًا، وأملَت على الأمَّة دروسًا وعبرًا، في الماضي والحاضر، يجب أن تظلّ محفوظةً في الذّواكر، وأن تُكتَب وصايا عزيزةً للأجيال المتعاقبة، يُحرص عليها في ورعٍ ورجاءٍ في ذات الله سبحانه، فتفيد منها في أناةٍ وصبرٍ، وهذا شيءٌ من تأويل قوله تعالى: {يأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [سورة يونس: آية 57] .
والذين لا يجدون في أنفسهم العجز عن السّعي لبناء دولةٍ تحكم بما أنزل الله، أولى أن ينتفي العجز عنهم، وهم يُعدُّون الأمَّة إعدادًا مؤسسًا على العقيدة النَّقية والأحكام الشرعية الصافية، فيكون منهم طائفة آمرةٌ بالمعروف، ناهيةٌ عن المنكر، داعيةٌ إلى الخير، باذلةٌ في ذلك كلِّه من مالٍ تملكه، وعلمٍ تعرفه، وجهدٍ تدركه، راغبةٌ فيما عند الله من برٍّ وثواب، راجيةٌ أن يكون لها من ذلك، ما يمهِّد السَّبيل أمام من يخلُفها بجهدٍ ليس يُعدُّ إلاَّ يسيرًا إلى جنب الجهد الذي بذلته، وأعدّت به الأسباب والوسائل التي قرّبت لها الغاية، وزوت لها البُعدَ، وأدنت منها النِّهاية.
تُخبرنا بذلك سيرةُ المصطفى صلى الله عليه وسلم، في عهدَيها المكّي والمدني، حيث امتدّت فترة الأول منها، بزيادة ثلاثِ سنين عن الفترة الثانية، إذ الجهد الذي يبذل في بناء الجماعة، وتأسيسها، أكبر من الجهد الذي يُبذل في بناء الدّولة وتأسيسها، لأنّ الجماعة هي التي ستتولّى بناء الدّولة وتأسيسها، مالم تكون هذه الجماعة، متمكّنة من قدرات هذا البناء والتأسيس، فإنَّها تبعدُ كثيرًا جدًا عن الغاية التي تنشدها.