وحين نعقد مقارنةً بين العهد النَّبوي وبين أيِّ عهدٍ جاء من بعده، فإنَّنا نجد الفرق شاسعًا بينهما، من حيث القُدُرات التي يجب إعدادها للبناء؛ سواءٌ أكان بناء الجماعة، أم بناء الدّولة، ومن حيث الوقت الذي تستغرقه عمليّة البناء، فهناك نبيٌّ يوحى إليه، يتلقّى من ربِّه، ويلقي ما يتلقاه في مسامع قلوبِ أحسنِ ما عُرف عنهم التلقّي في كلِّ أجيال البشر وقرونهم.
وهناك سذاجةُ الحياة، وسلامة الفطرة، واستواء الفضائل، ومَلَكاتُ الأمَّة المختارة لأشرف رسالة، ونقاءُ البيئة من عَكَر الفلسفات، والثقافات، والمدنيّات المجلوبة بالآفات العقلية، والبدنية، والنَّفسية، والاستعداد الذّاتي المكتسب، هذه كلُّها وسواها أمكنت للجماعة المؤمنة في العهد المكي أن تستوعب مضامين الرسالة في فترةٍ زمنيةٍ وجيزةٍ، لتنتقل بها إلى العهد المدني، لتؤسس دولة شاهقة البناء، قوية الأركان في فترة زمنيةٍ أوجز.
وهي بهذا؛ تعملُ -حقيقة- على اختصار الزّمن ما أمكنها ذلك، ليقرب المسافة بينها وبين الهدف الأسمى، الذي لا يغيب عن عقل جيلٍ من أجيالها، ولا عن عقل قرنٍ من قرونها، بل يظلُّ حاضرًا في صدورها، حتى يصبح حقيقة واقعة، ماثلة لكلّ الشعوب والأمَّم، ولكأنما يريد أن يثبت للعالم والكون، أنَّ الأمَّة في ماضيها هي الأمَّة نفسها في حاضرها، وهي الأمَّة نفسها في مستقبلها، لكنْ على الأمَّة أن لا تُدخل مادةَ الزّمن بُعدًا أو قُربًا في حسابها، فالنّجاح كالفشل، قد يطولُ زمانُ الأوّل ويقصُرُ زمانُ الثاني، وقد يكون العكس، وهذا ما ألقى به النبي صلى الله عليه وسلم في أسماع أصحابه وقلوبهم رضي الله عنهم، وهم في مكة، قبل الهجرة، وسياطُ العذاب تمزِّق أبشارهم، وألسنّةُ الكفر تسخر منهم، وتدعوهم إلى الخروج عن الخطّ الذي خطّه نبيُّهم صلى الله عليه وسلم من أوّل يوم جاءهم فيه، حين قال لهم:"ولكنكم قوم تستعجلون".