الصفحة 240 من 291

وإذ ذلك كذلك، فإنَّ الأمَّة اليوم وهي ترزح تحتَ أثقال البلاء -تجني من قلوبها، وأبدانها، وأموالها، وأنفسها، أعزّها وأغلاها، وقد أمكنت أعداءها من كلِّ غالٍ ومُرتَخَصٍ من أمور دنياها- لا تجد ملاذًا بعد الله سبحانه، إلا في تلك الفئة التي ترسم لها خطّ سيرها بكتاب الله وسنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم، الفئة الناجية التي اصطفاها الله بانتسابها إلى نبيِّها الأكرم صلى الله عليه وسلم اقتداءً وامتثالًا وعملًا (53) .

والمقدور عليه المستطاع في زماننا هذا -ممَّا يقتضيه النّظرُ العلميُّ الإيمانيُّ في سُنَّة المدافعة- هو توجيه الأمَّة توجيهًا عقديًّا، تربويًا، يؤهلها إلى تلقِّي تبعات العمل المستقبلي، من غير ضعفٍ ولا تراجع، وهذا لم يبق إلا في ثلةٍ قليلةٍ جدًا، أما الجمُّ الغفير فقد صاروا إلى يبابٍ وهبابٍ.

ولعلّه يبدو لكثير من الذين يستحثّون الزّمان أن يعجَل لهم بدولةٍ تحكم بما أنزل الله، أنَّ العمل في دائرة المقدور والمستطاع في هذا الزّمان يُبطىء في قيام هذه الدّولة، لأنه يستغرق زمانًا طويلًا، وربّما قعد بالكثيرين عن مواصلة السّعي، حتى فيما هو مقدورٌ مستطاعٌ، أو أجحدهم به بالمرّة، وعليه فإنَّ الانتقال السَّريع من هذا الأمر المقدور المستطاع لا ينبغي أن يدفع عنه في صُدورِ من يستعجلونه، ممَّن لا يجدون في أنفسهم العجز عنه بالرَّجاء في نصر الله وتحقيق موعوده لهم.

وحسبُنا أن نقول لهؤلاء: أن يطول الزّمن بجهدٍ يُبذل، ولا يقطَعَه استدراجٌ ماكرٌ يُبيِته أعداءُ الله خيرٌ من أن يقصُرَ الزّمنُ بجهد يُبذل ويبتزّه تدبير ماكرٌ، يُبيِّته أعداء الله للأمَّة، فيصيبها العجز في كل شيء، وعن كل شيءٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت