وحتى تقع هذه السُّنَّة، وفق الحكمة الرَّبانية، وتُصيب الأرض التي أذن الله أن تصيبها، فلا بدَّ وأن تقع في عقول الأُمَّة علمًا وفقهًا، وفي قلوبها هدايةً وإيمانًا، وفي أبدانهم سلوكًا وعملًا.
ومِن أجلّ الفقه الذي يجب على الأمَّة أن تحرص عليه، أن تنظر في تحرُّك السُّنن الإلهية، وتقلُّبها في الآفاق، وتفاعلها وتداخلها في الحياة والإنسان والكون، وتعقد بين هذا الفقه الجليل، وبين قوله صلى الله عليه وسلم:"إنّ الله يرفعُ بهذا الكتاب أقوامًا، ويضعُ به آخرين" (52) .
ومن الذين يرفعهم الله بكتابه، أولئك الذين أنعم الله عليهم بالبصيرة النافذة في الأشياء والأحوال، وملَكهم بالعلم والتّقوى فراسةً، يقرؤون بها الغيب المكنون بالحدس والتّقدير، لا بالكشف والرؤية، فتكون كلمتهم ظاهرةً بهم، ويكونون هم ظاهرين بها، ظهورٌ من ظهورٍ بظهورٍ، فتسعد الأمَّة بعلمِهم الباني، وشوقهم المفضي بتقواهم إلى رحاب العرش، وعطائهم الباذل الجمِّ، ورفع أقدارهم بالصِّدق في طاعته، وأيّدهم بروح من عنده، وأوفاهم على مطالع النّور برحمته ومن رحمته، إنّهم الفئة التي أكرمها الله بالقيام بأمر الله في كلِّ زمان، وإن كان من يعصيهم من الناس أكثرَ من الذي يطيعهم.
ولا يَحسُنُ أن يغيب عنّا، أنَّ الله سبحانه خاطب عباده بالأحكام المقدور عليها، التي لا يشقُّ عليهم حملها ولا يكون من حرج عليهم في فعلها، وهذا تشريع لهم في حياتهم، يهديهم إلى كلِّ أمرٍ من أمورهم، ولا يُضلُّهم في سعيهم أينما كانوا، وحيثما كانوا، وهذا من رحمة الله بهم، التي وسعت كل شيء.