الصفحة 238 من 291

إنَّ مفاتيح قيود الذُلِّ هذه ليست في أيدينا، إنّها في أيدي أعدائنا، فهم إن شاءوا فتحوا أقفالها، وإن شاءوا لم يفتحوها، ولسنا نملك من الأمر شيئًا، إلا أن نأخذ مفاتيح هذه الأقفال من أيدي أعدائنا، وليس لدينا من القوة ما نأخذ به تلك المفاتيح، وحتى يصير لدينا مثل تلك القوة فلا بدّ من البحث عن سبيل نمتلك به هذه القوة، وليس يخفى أنّ البحث سوف يستغرق زمانًا طويلًا، لا ندري ما الله فاعلٌ بنا فيه، فإنّ عُتُوَّ أولئك الأعداء، وتسلطهم على كنوزنا، وحيازتهم قدراتنا المادية، وطاقاتنا الفكرية، والتبعية الصّاغرة المهينة التي تسربلنا بها، حتى غَدَت هي زينتنا، ووشْيَ حياتنا، وزُخرفَ ألسنتنا، وبهجة محافلنا، كلُّ أولئك أجاءنا إلى ظلٍّ أسودَ قاتم، لم يعد بوسعنا ونحن فيه إلا أن نستغيث بهم قائلين: واغوثاه، وانصيراه، أما خالقنا، وربُّنا، وربُّ كل شيءٍ، فقد نسيناه أو أُنسيناه!! وأمسينا نبحث عن ذواتنا المغيَّبة في جوف هذا الظّلّ الأسود فلا نجدها!! وإن نحن عُجْنا باللائمة على الناس، فنحن أحقُّ باللائمة إذ {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [سورة الزمر: آية 9] .

لكن سُنَّةً أُخرى من سنن الله، تُخفي نفسها في أستار الغيب الرّاقب حياةَ الناس، لا تلبث أن تهتك تلك الأستار، وتمضي مُسرعةً تبحث عن مستقرِّها -حينئذٍ يأذن لها الله- في أرضٍ فسقتْ عن أمر ربِّها، واستطالت بمكرها السيِّء في المستضعفين، وعَظُمت في أعينهم ببطشها، وجبروتها -لتلقي بجرانها العدْلَ في تلك الأرض، فتُنيلها ما أنالت الناس، وتنزل بها ما أنزلت بهم، وتقطع يدها التي أحلت بهم من ألوان الظُّلم والهوان والمسغبة، ما لا قِبَل للجبال والرّواسي بها.

تلكم السُّنَّة صاغها النبي صلى الله عليه وسلم لنا في قوله:"حقٌّ على الله عزّ وجلّ أن لا يرفع شيئًا من الدُّنيا إلا وضعه" (51) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت